فرنسا .. ضحية تبعيتها للولايات المتحدة

فرنسا .. ضحية تبعيتها للولايات المتحدة … بقلم: تيري ميسان

كتب في: أغسطس 22, 2012 فى: ترجمات  

الاعلامي الفرنسي تييري ميسانقاد فرانسوا هولاند حملته الانتخابية من منطلق إدانة الإدارة الكارثية التي مارسها سلفه نيكولا ساركوزي، وكذلك أسلوبه السوقي الاستعراضي، مقدما الوعود بإجراء تغييرات فورية.

هاهي مائة يوم مضت على انتخابه، تغير فيها بكل تأكيد أسلوب إدارة الحكم، ولكن ليس السياسات. ففرنسا لاتزال مستمرة في الغوص بأزماتها، وبعناد.

لننظر إلى الموضوعات الرئيسية التي ناقشتها الصحافة الفرنسية، وبشكل أخص، الطريقة التي تناولت بها تلك الموضوعات، فنجد أنها تجسد في مجملها خضوع الطبقة الحاكمة للهيمنة الأمريكية، الأمر الذي يفسر حالة الجمود الحالية.

كان الخوف يساور الفرنسيين من احتمال لجوء العديد من الشركات الفرنسية الكبرى إلى إعلان خطط تسريح للعاملين لديها فور الانتهاء من الانتخابات الرئاسية.

هذا ما رشح من المذكرة الداخلية لمجموعة بيجو-ستروين لصناعة السيارات، التي تضمنت عزم الإدارة على إغلاق مصنعيها في منطقة (أولنيه سوبوا، وسفيلنور) وشطب أكثر من 8000 وظيفة، إضافة إلى الكثير من المقاولين المرتبطين بهذه المصانع، والذي كان له تأثير قنبلة فور الإفصاح عنه، الأمر الذي فرض على الحكومة القيام بحركة تعبر من خلالها عن حسن نواياها وعجزها، فعمدت إلى استدعاء مدير مجموعة بيجو-سيتروين، موجهة له الاتهامات بسوء الإدارة، والتلويح بكليشة أرباب العمل الكبار الذين يستغلون الطبقة العاملة.

واقع الأمر يقول بأن ما حصل جاء نتيجة لارتباط مجموعة بيجو-سيتروين بتحالف مع شركة جنرال موتورز، التي حلت مكان لوبي الضغط الصهيو-أمريكي (الاتحاد ضد النووي الإيراني)، وطلبت من شركائها الفرنسيين وقف تعاملاتهم مع إيران، فاستجابوا لها، رغم أن ربع إنتاجهم السنوي يباع في الجمهورية الإسلامية.

 لقد انصاع أرباب العمل الفرنسيين في هذه القضية إلى الإملاءات الأمريكية، ولم تجرؤ الحكومة على إدانة هذا الفعل. وقد فضل كلا الطرفين تقديم إجابات تتعلق بمشكلات اقتصادية زائفة، بدل الاعتراف للرأي العام بأنهما قد ضحيا باقتصادهم تلبية لرغبات واشنطن.

ثمة جدل آخر أثير حول الغاز الصخري أيضا. فقد أثبتت التنقيبات أن الطبقات الأرضية السفلى في فرنسا تحتوي على أكبر مخزون احتياطي من الغاز على مستوى القارة الأوروبية بعد بولونيا، وقد أصدر نيكولا ساركوزي أثناء ولايته 64 ترخيصا بالاستثمار. وعلى الرغم من أن المرشح للرئاسة فرانسوا هولاند قد أطلق الوعود بالتراجع عنها، إبان حملنه الانتخابية، نظرا لمفاعيلها الكارثية على البيئة، إلا أن حكومته أخذت بإطلاق التصريحات المتناقضة بهذا الشأن، وانتهت بترك تراخيص الاستثمار تستمر في عملها المعتاد.

هنا أيضا، تعمد الطبقة الحاكمة إلى تنشيط حوارات مزيفة، كي لا تجد نفسها مكرهة على كشف عبوديتها الطوعية أمام الجمهور.

تقول الصحف بأن التكلفة المنخفضة للغاز المستخرج من الطبقات الصخرية، من شأنه أن يحسن من القدرة التنافسية للصناعة الفرنسية. الأمر الذي يستوجب الموازنة بين إطلاق عجلة الاقتصاد، والمشكلات البيئية.

وبشكل عملي أوضح، فإن استثمار الغاز الصخري، هو في الواقع توجيه من البيت الأبيض أوصى به ديك تشيني عام 2000، وتم اعتماده في ظل إدارة أوباما أيضا. الهدف من كل هذا، هو منع باريس، بأية وسيلة كانت، من التزود بالغاز الروسي كي لا تبتعد عن واشنطن، وتصبح أقرب إلى روسيا.

هنا، تجدر الإشارة إلى أن الطبقة الحاكمة في ألمانيا، وعلى الرغم من خضوعها لنفس المأزق، إلا أن أرباب العمل فيها اختاروا تزويد مصانعهم بالغاز الروسي. لذا لم يكن مستغربا أن يصبح مستشار ألمانيا الأسبق غيرهارد شرودر، رئيس مجلس إدارة شركة نقل الغاز (نورث ستريم) التي تزود بلاده بالغاز حتى نهاية العام. وما احتفاظ طبقة رجال الأعمال بالأطلنطية (نسبة لحلف شمال الأطلنطي) أنجيلا ميركل في موقعها الحالي كمستشارة، إلا لتلطيف الأجواء مع واشنطن في هذه المرحلة المفصلية.

ثمة موضوع آخر حظي باهتمام الصحافة الفرنسية أيضا: إنه الجدل بين نيكولا ساركوزي وخلفه حول سورية. فقد أشار الرئيس المنتهية ولايته إلى أن فرانسوا هولاند، غير قادر على أن يفعل في سورية، ما نجح هو بالقيام به في ليبيا. وقد انضم إلى جوقته اللوبي الصهيوني برنار هنري ليفي، متهما فلاديمير بوتين بقتل الأطفال في مدينة حلب، مطالبا بإرسال طائرات فرنسية لقصف هؤلاء الفظين الذين يؤيدون الأسد.

لقد وقع هولاند في فخ نذالته، حين قبل أن يستخدم التفويض الممنوح لمجلس الأمن بحماية المدنيين الليبيين، بالإطاحة بمعمر القذافي في حرب غير شرعية أودت بحياة 160 ألف مدني، وهاهو يتعلل بالأعذار الآن لعدم قدرته على أن يفعل نفس الشيء في سورية.

وهكذا مضى وزير خارجيته يشرح ببراءة مصطنعة، بأنه من غير الممكن انتهاك القانون الدولي بشكل فاضح، في توجيه ضربات جوية لدمشق مؤكدا أنه من الممكن دائما انتهاك القانون خفية، عبر تسليح الإرهابيين، على سبيل المثال.

هذا المنزلق ليس جديدا علينا. فقد تتالى على تدمير السياسة الخارجية الموروثة لفرنسا، ثلاثة وزراء متعاقبين، أولهم برنار كوشنر (مستقل) وثانيهم آلان جوبيه (يميني) وآخرهم لوران فابيوس (اليساري).

لقد تحولت فرنسا من بلد مدافع عن الأمم، إلى منفذ مطيع لنظرية بلير ” التدخل الإنساني”.

لم يعد لديهم حتى القدرة على الاعتذار بوقاحة عن استغلالهم الاستعماري: لقد كانت غنائم الأنغلوسكسون من الحرب التي شنتها القوات الفرنسية على الشعب الليبي أكبر بكثير من غنائم الفرنسيين أنفسهم. وبشكل أكثر دقة، فإن الأنغلوسكسون، هم من سيحظون بحصة الأسد من الغاز اللبناني، فيما لو استمرت فرنسا بإمداد الحرب السرية المعلنة ضد الشعب السوري، وبجعل نفسها مكروهة في الشرق الأدنى.

لا يبدو أن الفرنسيين قد توصلوا إلى اكتشاف العلاقة، رغم ترفيه وسائل الإعلام لهم بعناية فائقة، بين خيانة نخبهم الحاكمة له، ومشكلاتهم الاقتصادية.

ترجمة: سعيد هلال الشريفي


المصدر فرنسا .. ضحية تبعيتها للولايات المتحدة … بقلم: تيري ميسان – مركز عرين للمعلومات http://www.areen.info/?p=2463#ixzz2RwbpCK7Q 
مركز عرين للمعلومات 

 

 

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s