سلم عالمي أو حرب مستمرة وصراعات

سلم عالمي أو حرب مستمرة وصراعات … بقلم : ف. ويليام انغدال

كتب في: ديسمبر 10, 2012 فى: ترجمات

مصدر الصورة: غرافيك ألف ياء - الأخبار في الثالث من شهر تشرين الاول 2010، قامت القوات التركية بقصف متكرر بمدافع الهاون داخل الأراضي السورية، كان هذا العمل بقصد إتاحة المجال لإقامة منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات بعمق الأراضي السورية، وذلك رداً على قيام القوات السورية بقصف المدنيين المتاخمين على الحدود التركية-السورية، وذلك حسب المزاعم التركية.

هناك تكهنات على نطاق واسع تزعم أن القصف السوري الذي أدى لمقتل خمسة مدنيين أتراك كان قد تمّ من قبل المعارضة السورية المسلحة نفسها مدعومة من تركيا، مما يعطي القوات التركية الذريعة للتحرك، وهذه العملية معروفة في مصطلحات الاستخبارات العسكرية ويطلق عليها اسم “العلَم المزيف”.

إن وزير الخارجية التركية المبهم أحمد داوود أوغلو -الذي يعتبر الصديق المقرب للأخوان المسلمين- هو المهندس المكلف من قبل حكومته للإطاحة بحليفهم السابق «النظام السوري».

وفقاً لتقرير صدر عام 2006، أصبحت تركيا مركزاً عالمياً جديداً لجماعة “الأخوان المسلمون”، وذلك في ظل حزب “العدالة والتتنمية” الذي يتزعمه رئيس الوزراء  رجب طيب أردوغان.

وقال مصدر مطلع في إسطنبول فيما يتعلق بالتقرير السابق إن المملكة السعودية -وهي قلب الجهادية السلفية- قد قامت بمنح أردوغان وحزبه “العدالة والتنمية” مبلغاً وقدره 10 مليار دولار، وذلك تحت العباءة الوهابية الأصولية الصارمة.

منذ العام 1950، قام جهاز سي آي ايه بإحضار قادة أعضاء في جماعة “الأخوان المسلمون” المنفيين إلى الممكلة السعودية بصهرهم مع الوهابيين، وأيضاً مع الجهاديين الأصوليين لجماعة الأخوان.

قابل الردَ التركي على قصف قذيفة الهاون السورية وبشكل مباشر إعتذارٌ من الحكومة السورية على الحادث، الذي هدد بحرب شاملة على طول حدود الدولتين، اللتين اُعتبرتا حليفتين مقربتين تاريخياً وثقافياً واقتصادياً وحتى دينياً.

إن احتمال اندلاع هذه الحرب وارد بشكل جدي، خاصة أن تركيا كاملة العضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذي ينص ميثاقه صراحةً على أن أي هجوم على دولة عضو يُعتبر هجوماً على بقية الدول الأعضاء.

جعلت روسيا والصين –وهما دولتان نوويتان- من الدفاع عن النظام السوري أولوية استراتيجية، مما وضع شبحَ حربٍ عالمية قائماً أقرب مما نتخيل. 
في شهر كانون الأول عام 2011، توقّع فيليب جيرالدي -وهو المحلل السابق في سي آي ايه- التطورات التالية:

  • أن يتدخل حلف شمال الأطلسي سراً في الأزمة السورية، حيث تقوم تركيا بدور الوكيل عن الولايات المتحدة. وقد اعترف وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو صراحة بأن بلاده سوف تقوم بغزو سوريا حالما يتم الاتفاق بين الحلفاء الغربيين للقيام بهذا الأمر، على أن يقوم هذا التدخل على أساس حقوق الإنسان والدفاع عن المدنيين تحت ذريعة المسؤولية عن حمايتهم، وهي الحجة نفسها التي سبقت تدخلهم في ليبيا. وعليه فقد اقترحت المصادر التركية القيام بالغزو عند تأمين المنطقة العازلة على الحدود التركية-السورية والتوسع من خلالها، حيث ستتم مع تحقيق هذا الهدف إضافةُ مدينة حلب المزدهرة إلى تاج قوات التحرير الغربية.
  • أن تصل طائرات حربية تابعة لحلف شمال الأطلسي إلى القواعد العسكرية التركية القريبة من لواء إسكندرون على الحدود السورية لا تحمل شعارات الحلف، كما تصل أيضاً أسلحة من ترسانة الزعيم السابق معمر القذافي ويصل متطوعون من قبل المجلس الوطني الإنتقالي الليبي، ممن اكتسبوا خبرة في مواجهة القوات النظامية المدربة خلال مجابهة قوات القذافي، بالإضافة إلى تواجد «الجيش الحر» في منطقة لواء إسكندرون وهو الجناح العسكري التابع «للمجلس الوطني السوري»؛ ولا ننسَ المدرِّبين من القوات الخاصة الفرنسية والبريطانية المتواجدين على الأرض، والذين يقومون بتدريب المجموعات المسلحة، بينما تقوم سي آي ايه والإدارة الأمريكية بتقديم أجهزة الإتصال المتطورة والمعلومات المخابراتية لمساعدة المتمردين وتمكينهم من تجنب نقاط تجمع الجنود السوريين.

ويجب التنويه هنا إلى حقيقة أنه بنفس اليوم الذي ردت فيه تركيا بالقصف على الأراضي السورية -والذي وما زال مستمراً حتى كتابة هذا التقرير- بادرت قوات الدفاع الإسرائيلية بتحويل انتباه السوريين من تركيا إلى إسرائيل وذلك عبر خلق السيناريو المرعب بفتح جبهة ثانية، هذا ما واجهه الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. لقد قامت قوات الدفاع الإسرائيلية بدعم مهم لقواتها المسلحة على طول المرتفعات الإستراتيجية للجولان المتاخمة لحدود البلدين، والتي كانت قد احتلتها في حرب 1967.

لقد انكشفت المرحلة الجديدة للغزو الأجنبي العسكري التركي المدعوم من قبل نظام نتنياهو اليميني المتطرف، والغريب جداً تتبعهم للسيناريو المحدد من قبل مؤسسة بروكينغز، “خلية التفكير” المعروفة في واشنطن بانتمائها للمحافظين الجدد. حيث قدم الباحثون في هذه المؤسسة في شهر آذار 2012 دراسةً تحت مسمى “إنقاذ سوريا : تقييم الخيارات لتغيير النظام”، أدت إلى وضع خطة تتضمن كيفية إساءة إستخدام الاهتمام الإنساني بالقتلى المدنيين كما حدث في ليبيا عام 2011، وذلك لتبرير عدوان عسكري على سوريا، وهذا أمر لم يحدث من قبل.

تقرير مؤسسة بروكينجز ينص على السيناريو التالي:

تقوم إسرائيل بوضع قواتها على مقربة من مرتفعات الجولان، وعند قيامها بذلك ربما تحول دون قيام قوات النظام السوري من قمع المعارضة، مما قد يثير مخاوف النظام السوري من نشوب حروب على جبهات متعددة، خاصة إذا قامت تركيا بنفس الفعل على حدودها مع سوريا، وأيضاً إيجاد نظام تغذية ثابت ومستمر من العتاد والتدريب للمعارضة السورية.

هذا تماماً ما تمّ الكشف عنه في الأيام الأولى من شهر تشرين الأول 2012، فقد ارتبط القائمون على تقرير بروكينجز مع بعض أبرز صقور الحرب من المحافظين الجدد خلف بوش-تشيني على العراق. وقد تضمّن ممولهم مركز صبان لسياسات الشرق الأوسط مستشارين في السياسة الخارجية لمرشح الجناح اليميني الجمهوري ميت رومني، وهو المرشح المفضل لرئيس الوزراء الإسرائيلي.

تم إنشاء مركز بروكينغز صبان لسياسات الشرق الأوسط -وهو المعهد الذي أصدر التقرير- بمساهمة من الملياردير حاييم صبان وهو من أصل إسرائيلي أمريكي ويملك وكالة Pro7 الإعلامية الضخمة في ألمانيا؛ كما أنه لا يخفي نيته في التسويق لإسرائيل ومنح عطاياه لمصلحتها. وقد لقبته جريدة نيويورك تايمز بأنه “الداعم الذي لا يكلّ من أجل إسرائيل”؛ وهو من جهته قد صرّح للجريدة نفسها في مقابلة أجرتها معه عام 2004: “لي هدف واحد، وهدفي هو إسرائيل.

لدى الباحثين في مركز الصبان ومجلس إدارته انحياز واضح للمحافظين الجدد ولحزب الليكود، السابقين واللاحقين أمثال : شلومو يناعي رئيس قسم التخطيط العسكري بقوات الدفاع الإسرائيلي، مارتين إنديك سفير أمريكي سابق لدى إسرائيل ومؤسس المعهد الإسرائيلي الأمريكي لدراسات الشرق الأدنى (WINEP) رئيس اللوبي لحزب الليكود في واشنطن.

من زملاء المؤسسة الزائرين: أفي ديكتر، رئيس سابق لجهاز الشين بيت، يوسف كوبرواسر الرئيس السابق لقسم الأبحاث بقوات الدفاع الإسرائيلية، مدير سابق للمخابرات العسكرية.

والباحثين الدائمين هم بروس ريديل، خبير عن الشرق الأوسط في السي اي ايه، ومستشار باراك أوباما عن أفغانستان، كينيث بولاك خبير عن الشرق الأوسط في السي اي ايه والمتهم بفضيحة تجسس إسرائيلية عندما كان يترأس إدارة الأمن الوطني خلال إدارة جورج بوش الإبن.

لماذا إسرائيل تريد التخلص من عدوها التقليدي” بشار الأسد” وإستبداله بنظام يسيطر عليه “الأخوان المسلمون”؟ في حين أن أمن إسرائيل على مايبدو سيكون مهدداً من قبل نشوء أنظمة متشددة كـ”الأخوان المسلمون” في مصر على حدودها الجنوبية وكذلك في سوريا على حدودها الشمالية، وليس بعيداً أيضاً في الأردن.

الأبعاد الجيوسياسية:

السؤال المهم طرحه في هذا السياق هو عن الرابط غير المقدس الذي يربط إسرائيل وتركيا وقطر على جانب واحد، وأسد سوريا وإيران وروسيا والصين على الجانب الأخر، الجميع في مواجهة مميتة من أجل مستقبل سياسة سوريا؟ هناك جواب واحد: الطاقة الجيوسياسية.

مايجب الإهتمام به في التقييمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط هو الأهمية المتزايدة بشكل كبير في السيطرة على الغاز الطبيعي، ليس فقط من قبل البلدان المنتجة، ولكن أيضاً من قبل الأتحاد الأوروبي وأوراسيا، بما في ذلك روسيا المنتجة للغاز والصين أكبر مستهلك له.

الغاز الطبيعي أصبح “الطاقة النظيفة” البديلة لجيل الفحم والكهرباء النووية عبر الاتحاد الأوروبي، خاصةً عندما قررت ألمانيا التخلص من مفاعلاتها النووية بعد كارثة فوكوشيما في اليابان، حيث يعتبر الغاز من أكثر المواد الصديقة للبيئة وذلك فيما يعرف “البصمة الكربونية”.

الطريقة الواقعية الوحيدة لتقوم الحكومات الأوربية من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا لتحقيق هدفها من تخفيض غاز ثاني أوكسيد الكربون حتى عام 2020 هو الإعتماد بشكل رئيسي على الغاز بدلاً من الفحم، حيث إنبعاث الكربون من الغاز أقل بـ50-60% عن الفحم.

إن تكاليف استخدام الغاز بدلاً من الرياح أو أشكال أخرى من الطاقات البديلة يُعد منخفضاً بشكل كبير، مما جعل الغاز الطاقةَ الأكثر طلباً في دول الاتحاد الأوروبي، والتي تعد من أكبر الأسواق الناشئة للغاز في العالم.

إن إكتشاف حقول ضخمة جداً للغاز في سوريا، بالتوازي مع نشوء السوق الأوروبية المستهلك الأكبر للغاز الطبيعي، كان السبب لخلق بذور العداوة الجيوسياسية الحالية على نظام الأسد.

خط الغاز السوري-الإيراني-العراقي:

في شهر تموز 2011، قام حلف الناتو مع دول الخليج بزعزعة استقرار نظام الرئيس الأسد والتي ما زالت قائمة على قدم وساق، فيما تم عقد أكبر اتفاقية لمد أنابيب الغاز بين الحكومة السورية والإيرانية والعراقية، حيث تمّ تجاهله بشكل كبير ضمن تقارير سي ان ان عن الأزمة السورية.

إن كلفة خط الغاز تقدر بحوالي 10 مليار دولار وسيتم إنجازه خلال 3 أعوام، يمتد من ميناء السالويه جنوب حقل فارس للغاز في الخليج الفارسي حتى دمشق مروراً عبر الأراضي العراقية.

بنهاية المطاف ستقوم إيران بمد خط الأنابيب من دمشق إلى موانئ لبنان على البحر المتوسط، ومنه إلى الأسواق الأوروبية، حيث تقوم سوريا بشراء الغاز الإيراني جنباً إلى جنب مع إتفاقية العراق لشراء الغاز من جنوب حقل فارس الإيراني.

إن الحقل الموجود في جنوب فارس، حيث يكمن أضخم حقل إحتياطي للغاز، مقسوم بين قطر وإيران في الخليج الفارسي، فيما يعتقد أنه أضخم حقل غاز في العالم. في الواقع يعتبر هذا الخط الإيراني عابراً للأراضي العراقية مروراً بالأراضي السورية الصديقة للعراق.

في الواقع هذه الحبكة الجيوسياسية مع إضافة وجود حقل فارس للغاز وتموضعه في منتصف الخليج الفارسي قد شكل ضربة قوية بين إيران (الشيعية) وقطر (السنية السلفية).

تعتبر قطر قاعدة مركزية لقيادة وزارة الدفاع الأمريكية، ومقراً مركزياً للقوات الجوية للولايات المتحدة، وقاعدة لحاملة الطائرات 83 (RAF)، وأيضاً قاعدة لحاملة الطائرات التابعة للقوات الجوية للولايات المتحدة 379 (USAF) .

يمكن تعريف قطر بايجاز بأنها الدولة التي تملك وتستضيف محطة قناة الجزيرة المعادية للنظام السوري، والتي تقوم بنشر دعاية مناهضة ضد سوريا في أرجاء العالم العربي، إضافة لارتباطها الوثيق بالولايات المتحدة وكذلك لقوات حلف الناتو، مما جعلها القاعدة الأهم في الخليج.

على مايبدو أن قطر تملك خططاً مغايرة عن مشاركة إيران وسوريا والعراق لجنوب حقل فارس للغاز، وليس من مصلحتها نجاح مد خط الغاز الإيراني-العراقي-السوري الذي سوف يكون مستقلاً تماماً عن مسار عبور الخط القطري-التركي إلى أسواق أوروبا المفتوحة.

في الواقع فإن قطر تقوم بكل ما يلزم لتخريب هذه المشاركة، حتى أنها قامت بتسليح “المعارضة السورية” ومدها بالمقاتلين من كل حدب وصوب، حيث إن أغلبهم من الجهاديين الذين قد اُرسلوا من بلدان أخرى كالمملكة العربية السعودية وباكستان وليبيا.

إن سبباً آخر لهذا التخريب القطري للتعاون السوري-الإيراني-العراقي في مجال الغاز هو الاكتشاف الجديد الذي كان قد تم من قبل شركات التنقيب السورية في شهر آب 2011 لحقل ضخم من الغاز الطبيعي في منطقة قارا بالقرب من الحدود اللبنانية، وقريباً من الميناء البحري الذي تستأجره روسيا على البحر الأبيض.

إن تصدير أي كمية من الغاز الإيراني أو السوري سيتم عبر الميناء السوري في طرطوس، وحسب معلومات من مصادر جزائرية، فإن الغاز السوري المكتشف والذي تقلل من شأنه الحكومة السورية، يعتقد أنه مساوي في حجمه لحقل الغاز القطري أو يفوق عنه.

أشار بيبي ايسكوبار (Pepe Escobar) -أحد المحللين المعروفين في جريدة آسيا تايمز-، في مقالته الأخيرة إلى وجود مخطط قطري يدعو إلى تصدير إحتياطي ضخم من الغاز عبر خليج العقبة في الأردن، هذا البلد الذي يقوم فيه “الأخوان المسلمون” بتهديد ديكتاتورية الملك والتي هي الأخرى مهددة بدورها، بينما أمير قطر على ما يبدو قام بعقد إتفاقية مع “الأخوان المسلمون” بضمان توسعهم عالمياً مقابل ميثاق سلام في البيت القطري.

إن نظام “الأخوان المسلمون” في الأردن وسوريا والمدعوم من قبل قطر سيغير الخارطة الجيوسياسية في عالم أسواق الغاز بشكل مفاجئ وحازم لمصلحة قطر ضد مصالح روسيا، سوريا، إيران والعراق، كما سيشكل ضربةً قاصمة للصين.

وكما أشار اسكوبار: “من الواضح أن قطر تهدف إلى سحق خط الأنابيب الأيراني-العراقي-السوري ذي العشرة مليار دولار، هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه حتى مع بداية الأزمة السورية”. هنا نرى قطر في سياق منافسة مباشرة مع كل من إيران (كمنتج) وسوريا (كمَمر)، وبدرجة أقل مع العراق (كبلد للعبور)”. ويضيف اسكوبار: “من الجدير ذكره أن طهران وبغداد تقفان بعناد ضد أي تغيير للنظام في دمشق حسب المقترح القطري، مما يجعل الأمور أسهل بكثير بالنسبة لمد خط انابيب إيستن، وعلى الأرجح سيكون لـ”الأخوان المسلمون” بعد نظام الأسد ترحيبٌ أكبر لخط الأنابيب القطري على الأرض السورية، ويتيح للأتراك التوسع بحرية أيضاً”.

معضلة الغاز الإسرائيلي:

إن اكتشاف حقل الغاز الطبيعي الضخم مؤخراً على السواحل «الإسرائيلية» جعل الصورة أكثر تعقيداً، حيث يُتوقع البدء باستخراج واستخدام الغاز الطبيعي من حقل تامار على السواحل الشمالية لإسرائيل بنهاية عام 2012. في حين تغيرت قواعد اللعبة بعد الاكتشاف الدراماتيكي ببدايات 2010 لحقل الغاز الطبيعي الهائل على السواحل «الإسرائيلية»، والذي أَطلق عليه الجيولوجيون تسمية حوض بلاد الشام (Levant Basin)، وقد أعلنته منطقة اقتصادية خالصة (EEZ) حسب اتفاقية الأمم المتحدة.

إن الحقل المكتشف يمتد على طول 84 ميلاً غرب ميناء حيفا وعلى عمق 3 أميال، وقد سُمي ليفياثان (Leviathan)، على إسم الوحش البحري المذكور في الكتاب المقدس. في حين قامت ثلاث شركات إسرائيلية للطاقة بالتعاون مع هيوستن-تكساس نوبل للطاقة بإعلان التقديرات الأولية للحقل بحوالي 16 تريليون قدم مكعب، مما يجعله أكبر حقل بحري للغاز في العالم منذ عقود، وبذلك يكون قد أَسقط نظرية “ذروة النفط” التي تعتمد على مقولة أن العالم سيشهد نقصاً دراماتيكياً للنفط والغاز والفحم وبشكلٍ دائم. ولإدراك حجم هذا الحقل وضخامته نقول بأنه يحوي من الغاز بما يكفي حاجة «إسرائيل» لمئة عام.

مع العلم أن الاكتفاء الذاتي من الطاقة كان مستعصياً على «إسرائيل» منذ عام 1948، والقيام بحملات التنقيب على الغاز والنفط كان يعود مراراً بنتائج هزيلة، وذلك على عكس جيرانها العرب الأغنياء، حينها بدت «إسرائيل» قليلة الحظ.

في عام 2009، قامت «إسرائيل» بالاشتراك مع نوبل اينيرجي، بإكتشاف حقل تامار في منطقة حوض بلاد الشام، والذي يبعد حوالي 50 ميلاً غرب ميناء حيفا بكمية تقدر بحوالي 8،3 تريليون قدم مكعب من الغاز عالي الجودة، مما جعل حقل تامار المكتشف عام 2009 الأكبر في العالم.

 

خريطة تبين الحجم الضخم لحقل الغاز المكتشف في حوض بلاد الشام من قبل إسرائيل بالتعاون مع شركة نوبل انيرجي.
انظر الأعلى. المصدر: خريطة نوبل انيرجي
المصدر: جيري جوردون، من موقع newenglishreview.org

في ذلك الوقت، قُدر مجموع إحتياطي الغاز الإسرائيلي بنحو 1،5 تريليون قدم مكعب. وحسب تقديرات «حكومة إسرائيل» فإن حقل يام تيثيز، والذي كان يُزود البلاد بـ70% من إحتياجاتها من الغاز، كان الوحيد الموضوع في الخدمة، فيما العمر المقُدر له بالنضوب كان على مدى ثلاث سنوات.

مع حقل تامار بدأت الإحتمالات تبدو أفضل، عندها وبعد عام من إكتشافه تم ضرب الإكتشاف الأضخم لحقل غاز يُعتبر الأعظم على مَر عقود في منطقة ليفياثان في نفس منطقة الحوض الشرقي الجيولوجي، فيما التقديرات الحالية للكمية الموجودة في حقل ليفياثان تقدر على الأقل بحوالي 17 تريليون قدم مكعب، مما جعل «إسرائيل»، الجائعة للغاز، دولة ذات تخمة خلال شهور فقط.

والآن تواجه «إسرائيل» معضلةً استراتيجية وخطيرة، فمن الطبيعي أن لا تكون متحمسة لإرتباط الأسد في سوريا مع عدوها الأول إيران والعراق ولبنان، هذا الارتباط الذي سوف يجعل غاز «إسرائيل» خارج نطاق المنافسة في الأسواق الأوروبية، مما يفسر السبب وراء قيام حكومة نتنياهو بالعبث مع المسلحين المناهضين للأسد داخل سوريا.

فيما إذا حكم “الأخوان المسلمون” سوريا برئاسة زعيمهم محمد رياض الشقفة فسوف يترتب على «إسرائيل» مواجهة العداء المتنامي من قبل جيرانها، خاصة بعد قيام نظام معادي «لإسرائيل» من قبل الزعيم الأخواني محمد مرسي، رئيس مصر الحالي، على حدودها الجنوبية.

لم تعد سراً تلك العداوة التي أفضت إلى الكراهية بين إدارتي نتنياهو وأوباما، فرئيس البيت البيض أوباما ووزارة الخارجية في الولايات المتحدة، جاهرا علناً بمساندتهما للتغيرات لوصول “الأخوان المسلمون” في الشرق الأوسط.

إن اللقاء الذي تم بين هيلاري كلينتون ونظيرها التركي داوود أوغلو في شهر آب من هذا العام كان للضغط على تركيا لتصعيد التدخل العسكري على سوريا، دون دعم مباشر من قبل الولايات المتحدة بسبب الإنتخابات السياسية هناك، ولكي تتجنب هزيمة أُخرى في الشرق الأوسط.

بينما وكيل وزارة الخارجية ونائب رئيس الأركان هوما آبدين كان قد اتهم من قبل بعضالنواب الجمهوريين في الكونغرس بتعاونه مع منظمات يسيطر عليها “الإخوان المسلمون”؛ وكذلك قيام داليا مجاهد وهي مستشارة أوباما في المجلس الاستشاري للشراكات المبنية على الاعتقاد والانتماء (Advisory Council on Faith-Based and Neighborhood Partnerships) وعضو في المجلس الإستشاري للأمن الوطني بالتصريح علناً عن إرتباطها بـ”الأخوان المسلمون”، ومعاداتها علناً أيضاً «لإسرائيل»، بالإضافة لدعوتها لإسقاط النظام في سوريا. يبدو جلياً أن إدارة أوباما في واشنطن تراهن على حصان “الأخوان المسلمون” في سباقها للسيطرة على تدفق الغاز في الشرق الأوسط.

إلى الدور الروسي:

مؤقتاً تمشي واشنطن على حبل مشدود على أمل أن تضعف النظام في سورية مما يؤدي لهلاكه فيما لا تُظهر تدخلها المباشر. أما الروس من جهتهم فيقومون بلعبة الحياة والموت من أجل مستقبل أكثر فعالية على المستوى الجيوسياسي، مما يمكنهم من لعب دورٍ قيادي في إمداد الغاز للاتحاد الأوروبي.

لذلك قامت روسيا هذا العام بامتلاك غازبروم (Gazprom)، وبدأت بتوريد الغاز الروسي إلى الشمال الألماني عبر خط الأنابيب المسمى نورد ستريم (Nord Stream) تحت البحر البلطيقي من ميناء قريب من سان بطرسبرغ. فإنه لأمر حيوي للدور الروسي الإستراتيجي مستقبلاً بالقيام بتصدير الغاز للاتحاد الأوروبي، والقدرة على لعب دور في إستغلال إحتياطي الغاز المكتشف لحليفتها زمن الحرب الباردة، سوريا.

تقوم موسكو منذ فترة طويلة على الترويج لخط أنابيبها ساوث ستريم (South Stream) الممتد عبر أوروبا كبديل لخط الأنابيب نابوكو (Nabucco) والتابع لواشنطن، الذي صُمِّم ليترك روسيا في العراء.

تُعتبر غازبروم المصدر الأكبر للغاز الطبيعي للإتحاد الأوروبي، علما أنها مع نورد ستريم وخطوط أخرى قد خَططت لزيادة الغاز المصدر لأوروبا بنسبة مقدارها 12% أي حوالي 155 متراً مكعباً، حيث تسيطر هذه الشركة حالياً على 25% من كامل السوق الأوروبية، وتهدف إلى بلوغ حصتها نسبة 30% مع إنهاء مشروع ساوث ستريم، بالإضافة إلى مشاريع أخرى.

كان رينير سيليه رئيس شركة وينترشال (Wintershall) الألمانية، وشريك غازبروم في نورد ستريم، قد صرح عن الأفكار الجيوسياسية خلف قراره الانضمام لساوث ستريم: “إن السباق العالمي المحموم على المواد الخام في الدول الآسيوية، يتيح لشركتي ساوث ستريم ونورد ستريم ضمان وصول مصادر الطاقة لأوروبا والتي تعتبر الشريان الحيوية لإقتصادنا”.

وبدلاً من أن تقوم آسيا بالتركيز على ساوث ستريم الروسية قامت بالاعتماد أكثر على الغرب لتزويدها بمصادر الطاقة، لذلك فإن الحرب المستمرة بين ساوث ستريم الروسية وبين نابوكو المدعومة من قبل واشنطن تُعتبر جيوسياسية بجدارة، والرابح في هذه الحرب سوف يكون له الدور الأكبر بمستقبل أوروبا السياسي.

الآن وقد ظهرت سوريا الخيار الجديد كمصدر رئيسي لتدفق الغاز الروسي إلى أوروبا، وإذا بقي نظام الأسد، سيضع الروس بمرتبة المنقذ للعب الدور الحاسم في تطوير وإستغلال الغاز السوري، فإن «إسرائيل»، وكذلك الحال روسيا التي تملك أوراق رئيسية في اللعب، قد تقوم نظرياً إلى دعم الشراكة لخط أنابيب روسي-سوري-عراقي-إيراني في مجال الغاز، حيث تقوم إسرائيل وإيران بإيجاد صيغة للتفاهم المشترك حول برنامجها النووي ومسائل أخرى، هكذا أمر ليس مستحيلاً لو أن النخبة السياسية في «إسرائيل» تغيرت بعد الانتخابات القادمة.

تعتمد تركيا، المشغولة حالياً بصراعات داخلية بين داوود أوغلو والرئيس غول من جهة وأردوغان من جهة أخرى، على غازبروم الروسية بنسبة 40% من حاجتها للغاز في صناعاتها، وهذا ما قد يخسره أوغلو وزمرته، مع أن تركيا تستطيع أن تلعب دوراً أكبر بكثير في المنطقة في حال سمحت لخط الأنابيب السوري-الإيراني العبور في أراضيها.

إن المعركة القائمة للسيطرة على مستقبل سوريا هي في قلب حرب شد الحبل الجيوسياسية الهائلة التي تدور رحاها الآن، إنه القرار الذي ستترتب عليه نتائج ضخمة، فإما أن يكون هناك سلامٌ عالمي أو حرب لا نهاية لها من الصراعات والمجازر.

إن دولاً في حلف الناتو مثل تركيا، فرنسا، بريطانيا، والولايات المتحدة بالإضافة لأمير قطر والإسرائيلي نتنياهو، يقومون باللعب بالنار، والغاز الطبيعي هو عود الثقاب الذي سوف يشعل نار التدافع المجنون على الطاقة في المنطقة.

ترجمة: زين ص. الزين

 المصدر : موقع ألف ياء الأخبار

المصدر : سلم عالمي أو حرب مستمرة وصراعات … بقلم : ف. ويليام انغدال – مركز عرين للمعلومات http://www.areen.info/?p=3531#ixzz2RltqMXsV 
مركز عرين للمعلومات

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s