تفجيرات بوسطن : فشل استخباراتي اميركي ام خديعة شيشانية المصدر؟

تفجيرات بوسطن : فشل استخباراتي اميركي ام خديعة شيشانية المصدر؟

2013-04-28 

Article Type : studies & publications 

written by: Dr. Mounzer Sleiman


         سهام الاتهامات تطلق جزافا باتجاه الاجهزة الأمنية بالتقصير بمهامها ووظيفتها في دوامة السعي الجماعي للتوصل الى حقيقة ما حدث في بوسطن، كما يتجدد طرح الاسئلة المهمة والمحيرة في آن لحقيقة انتماء وارتباط المتهمين الاخوين، تيمورلنك وجوهر سارنييف، اللذين شب�’ا في الولايات المتحدة، ومنها: هل جاء نزوعهما للتطرف الجهادي الاسلامي بمحض ارادتهما؛ هل يوجد لهما علاقة ما مع القاعدة او مجموعات الشيشان الارهابية الاخرى؛ هل كانا يتبعان خلية في الداخل الاميركي؛ وهل انتقلت حرب الشيشان الى واجهة المسرح الدولي؟ مهما تكن نوعية الاجابات الحقيقية، فمن شأنها ان تترك تداعياتها على مجمل السياسة الاميركية، الداخلية والخارجية على السواء.

         القدر اليسير من المعلومات الذي افرج عنه للحظة يوثق بعض القضايا: اولها، واستنادا الى رواية مصدرها مكتب التحقيقات الفيدرالي �” اف بي آي، مبادرة الحكومة الروسية، في مطلع عام 2011، باخطار الولايات المتحدة حول وضعية تيمورلنك، الشقيق الاكبر، نظرا “لتبعيته لنمط اسلاموي متطرف وتشكيل قناعاته بذات الاتجاه، وقد طرأ عليه تغير ملحوظ منذ عام 2010 قبيل عزمه مغادرة الاراضي الاميركية للسفر الى منطقة (داخل حدود روسيا الاتحادية) بغية الانضمام الى مجموعات سرية لم يجر تحديدها.” كما ان الأف بي آي استجوب تيمورلنك في العام 2011 حول الاشتباه بعلاقاته مع ارهابيين، وقرر الافراج عنه. ايضا، عزوف الأف بي آي عن ملاحقة المشبوه به في اعقاب التقرير الروسي لعام 2012. بل في الساعات الاولى بعد التفجير، نقلت شبكة ان بي سي للتلفزة، في نشرتها الصباحية، خبرا مفاده ان المشتبه به “خضع لتدريبات من قبل جهة (او جهات) أجنبية” دون تقديمها مزيد من التوضيح.

         تبين لاحقا ان تيمورلنك ادرج على قائمة منظومة مركزية للمراقبة عممت على المعابر الحدودية باشراف “هيئة الجمارك وحماية الحدود” التي تتبع وزارة الأمن الداخلي، كاجراء وقائي روتيني بعد تحقيق الأف بي آي مع اي مشتبه بضلوعه في نشاطات ارهابية، كما افاد مسؤول رفيع في الوزارة.

         كما تبين اقدام تيمورلنك على شراء مفرقعات نارية للاستخدام التجاري، التي وصفها مسؤول في الشركة المنتجة بان كمية البارود فيها لا تكفي لصناعة القنبلة التي قيل ان انفجارها ادى لمصرع ثلاثة افراد وجرح مئات آخرين. وتمضي بعض التقارير بالقول ان الاخوين اجريا اختبارات تفجيرية في مناطق نائية قبل سباق الماراثون.

         وافادت المصادر الأمنية ان الشقيق الجريح اخبرهم خلال فترة التحقيق بانهما كانا ينويان التوجه لمدينة نيويورك للقيام بتفجيرات هناك. وتبدو الرواية ضعيفة الحجة في ظاهرها سيما وان الاخوين لم يتوجها لمدينة نيويورك على الفور بعد الانفجارين، بل مكثا في منطقة بوسطن لبضعة ايام. ومن الجائز ان ما افصح عنه الجريح المعتقل تم استحداثه على عجل خلال فترة ملاحقتهما من اجهزة الشرطة.

خداع وايقاع، توريط واسقاط

         تداعيات الانفجارين الاولية طالت كل من الجالية الاسلامية والشيشانية في الولايات المتحدة، اللتين اعربتا عن استنكارهما الصريح للهجوم الارهابي �” كما وصفه الرئيس اوباما. بل ذهب إمام احد المساجد المحلية في بوسطن الى رفضه اقامة صلاة الميت على جثمان تيمورلنك، بحسب رواية احدى قريبات الاخير.

         لم تتضح لنا بعد الاسباب التي دفعت السلطات الروسية الى اخطار نظيراتها الاميركية، او لطبيعة المعلومات المتوفرة لديها حول نوايا تيمورلنك. بل لم يرشح اي معلومات تشير الى تفصيلات رحلة تيمورلنك واقامتة لنحو ستة أشهر خارج الاراضي الاميركية في العام 2012. ينسب الى تقرير الاجهزة الروسية انها اخطرت مكتب التحقيقات الفيدرالي في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2012 عن قيام تيمورلنك عقد ستة لقاءات متتالية مع شخص له ارتباطات بالحركة السرية الاسلامية المتطرفة في داغستان، قيل لاحقا انه احد قادة المجموعات الاسلامية المحظورة المعروف باسم غازي مراد دولغاتوف، واسسمه الحركي أمير ابو دُجانة. ولقي ابو دجانة مصرعه في شهر كانون الاول / ديسمبر 2012 خلال مواجهة عسكرية شرسة مع القوات الامنية الروسية في داغستان.

         يقال انه بعد عودة تيمورلنك الى الاراضي الاميركية تبين ان المنتديات الالكترونية الخاصة به والتي يرتديها طغى عليها طابع الراديكالية، وقام بربط صفحاته بالمواقع الالكترونية للمجموعات الجهادية المتطرفة.

         وهنا يبرز السؤال الكبير: ما الذي دفع اجهزة الشرطة او الاستخبارات الاميركية للاقلاع عن استكمال ربط الحلقات المفقودة في المعلومات المتوفرة لديها. البعض يفسرها بانها ثمة فشل مخابراتي تفاقم لدوافع سياسية وتنافسية بين الاجهزة المختلفة.

         على نطاق اوسع، ادى الصراع الدائر منذ زمن بين روسيا ومجموعات مسلحة في الشيشان الى توجيه الموقف الاميركي نحو الريبة والشك من التحذيرات الروسية لما تصفه بالخطر القادم من الشيشان. بل يذهب معظم الساسة وصناع القرار الاميركيين الى اتباع غرائزهم في معاداة روسيا وكل ما يصدر عنها، واعتبارها عدو لم تنجح نهاية الحرب الباردة في تبديده، وتاييدهم الطرف الاضعف �” الشيشان في الصراع بالمقابل. كما لعبت الوسائل الاعلامية الاميركية المختلفة دورها في تجهيل الشعب وخلو نشراتها الاخبارية اليومية حول ما يجري في الشيشان مما اسفر عن عدم تبلور وعي في الرأي العام لتنامي التهديدات الارهابية الآتية من منطقة القوقاز.

         علاقات موسكو مع الشيشان متوترة منذ زمن الحرب العالمية الثانية، اذ اتهم الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين مواطني الشيشان بالتعاون مع القوات النازية آنئذ، واقدم على اقتلاع وتسفير كافة المواطنين الى اصقاع سيبيريا وكازاخستان. وتم السماح لهم بالعودة الى ممتلكاتهم في عهد نيكيتا خروتشوف في العام 1957. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة وجيزة، اعلنت الشيشان استقلالها عن روسيا مما اشعل فتيل الحرب بينهما بين 1994 �” 1996، اسفرت عن استعادة روسيا سيطرتها على الاراضي ومصرع عشرات الآلاف من الطرفين.

         في اعقاب ازمة القيادة السياسية الاميركية، جراء حروبها الخارجية، جَهد الرئيس اوباما لاعلان نهاية الحرب على الارهاب، والتي كان من تداعياتها صرف النظر عن التهديد الارهابي القادم من الشيشان، التي يربطها علاقات مع المجموعات الاسلامية في افغانستان. بل وَثِقت الى ان المعضلة تخص روسيا وحدها. وعبر عنها منسق جهود مكافحة الارهاب في وزارة الخارجية الاميركية، دانيال بنجامين، متشدقا في تصريحه لشبكة سي ان ان للتلفزة قائلا “ندرك ان الشيشان تعد تربة خصبة للمتطرفين، لكن في الاغلب هم متطرفون يستهدفون الروس.” وعليه، اقلعت اميركا عن مواجهة حقيقة ان الدولة الروسية لديها شبكات من المخ�’برين الفاعلين في اوساط الارهابيين الشيشان.

         اضحت الشيشان مرتعا للارهاب الدولي خلال فترة العشرين سنة الماضية، اذ حل عليها شخص يدعى عمر ابن الخطاب في العام 1997 حيث بات زعيما للمجاهدين الاجانب يشرف على مخيمات التدريب ويتلقى دعما من زعماء تنظيم القاعدة. ووصف ابن الخطاب حال الشيشان بانها “ليست مسألة تخص الشيشان فحسب، بل مسالة اسلامية أسوة بافغانستان.” معهد بروكينغز للابحاث وصف الامر عام 2002 بان العناصر الوهابية “حطت في البلاد واغدقت الصرف بالدولار، في ظل غياب سلطة حقيقية؛ فانعدام النظام تجده في كل مكان، ومدى تأثيرها كان قوي جدا.”  اما احد المسؤولين الشيشان آنذاك فقد صور الامر على الشكل التالي: “شعب الشيشان فقير ومغلوب على أمره عانى بشكل كبير (من اهوال الحرب)، واجيالنا اليافعة ببساطة لم تعد تقوى على التفكير، وكانوا مادة جاهزة لتقبل اي شيء.”

الشيشان ام “القاعدة” قدم الدعم لمفجري بوسطن؟

         مسألة تمويل الاخوين لم تتضح بعد، مما يستدعي طرح تساؤلات اوسع حول امكانية تلقيهما دعما من شبكات ارهابية. اذ لم يثبت ان تيمورلنك كان يشغل عملا ما، بينما شقيقه جوهر كان طالبا منتظما. الوالدين عادا الى داغستان، عبر روسيا؛ وعلاقة الاخوين مع عمهما المقيم بالقرب من واشنطن كانت شبه معدومة. اذن، كيف كانا يتدبران مسؤوليات الحياة اليومية من مسكن وغذاء واقساط جامعية، فضلا عن تكلفة سيارة المرسيدس الفارهة التي يقال ان تيمورلنك كان يقودها؟ سجلات الرعاية الاجتماعية الاميركية تشير الى ان الاخوين انتسبا الى برنامجها لدعم الفقراء والمحتاجين، بمنحمها بطاقات ائتمان تستخدم لشراء المواد الغذائية حصرا، واستمر  تلقيهما المساعدات العينية لغاية مطلع عام 2012. الامر الذي يلقي ظلالا كثيفة من الشك حول استمرارهما بنمط حياة رغيدة وما نسب اليهما من التخطيط لاعمال ارهابية. بعض التقارير اشارت الى ان جوهر كان يتاجر بالمخدرات.

         اما موضوعة القنبلة ومكونات التفجير بحد ذاتها تطرح سلسلة تساؤلات لم تشفي غليل الباحثين عن الحقيقة بعد. بداية، افاد مصدر مقرب من مجريات التحقيق بما يلي: “لا يساورنا شك بأن الاخوين لم يقدما على فعلتهما وحدهما. فالعبوات .. كانت بالغة التعقيد وليست شبيهة بما يقال ان المرء باستطاعته تجميع مكوناتها بالاستناد الى معلومات تتوافر على شبكة غوغل للبحث .. عنصر (بشري) ما وف�’ر للاخوين المهارات المطلوبة ومهمتنا الملحة التعرف على هويته. يعتقد رجال التحقيق ان الخلايا النائمة تضم نحو عشرة اعضاء ونيف ينتظرون دورهم منذ بضع سنوات لليوم الذي يقع عليهم الاختيار.” وما عزز مشاعر القلق القاء السلطات الامنية القبض على رجلين من اصول كازاخستانية يبلغان 19 عاما يعتقد انهما يقيمان علاقة ودية مع الاخوين المتهمين اللذين امتلكا سيارة فارهة من طراز (بي ام دبليو) تحمل عبارة “ارهابي رقم واحد �” تروريستا#1″ على لوحتها الامامية.

         لو سلمنا جدلا بالرواية الروسية بأن تيمورلنك اقام علاقات مع ارهابيي الشيشان وقرر القيام بعمل ارهابي ما، فما هو بعد تنظيم القاعدة في علاقته، وحجم الدعم الذي قد يكون تلقاه من المتمردين الشيشان؟

         وزارة الخارجية الاميركية حددت تنظيم “اللواء الاسلامي لحفظ السلام الدولي” كقناة رئيسة لمرور التمويل الاسلامي باتجاه مقاتلي الشيشان، نظرا لعلاقات قائمة بين القاعدة وبعض الممولين في شبه الجزيرة العربية. كما ادرجت الولايات المتحدة بعض المنظمات الشيشانية على قائمة الارهاب، في شهر شباط /فبراير 2012، منها “الفوج الاسلامي للمهام الخاصة” و “لواء شهداء الشيشان رياض-صالحين للاستطلاع والتخريب.”

         شُكلت مجموعة اخرى عام 2007 اطلقت على نفسها “امارة القوقاز،” برئاسة دوكو عمراوف، والتي برزت الى واجهة جهود التحقيق ومدى ارتباط تيمورلنك بها، بالرغم من تصريحات المنظمة لعدم ضلوعها في التفجيرات. وتم ادراج “امارة القوقاز” على لائحة وزارة الخارجية للارهاب عام 2011.

         يذكر ان السفير الاميركي السابق لدى موسكو، الكساندر فيرشبو، صرح في اعقاب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر قائلا “لدينا اعتقاد منذ زمن بأن اسامة بن لادن وشبكات دولية اخرى يعملون على تأجيج اللهيب في الشيشان، ويشمل ذلك ضلوع قادة اجانب مثل الخطاب،” الذي لقى مصرعه في شهر نيسان / ابريل 2002.

         اما زكريا الموسوي، الذي يقضي فترة محكوميته لضلوعه في تفجيرات برجي التجارة العالميين، فقد افادت صحيفة وول ستريت جورنال بأنه عمل في السابق كأحد “مسؤولي التجنيد في تنظيم القاعدة للمتمردين الشيشان.” غني عن القول ان مسلحين من الشيشان انخرطوا في القتال في افغانستان لجانب قوات القاعدة وطالبان ضد قوات تحالف الشمال المدعومة اميركيا في نهاية عام 2001. كما ان نظام طالبان الذي حكم افغانستان كان احد الانظمة القلائل الذين اعترفوا باستقلال الشيشان.

         كما توفرت معلومات حسية تشير الى نوايا ارهابيي الشيشان توسيع رقعة هجماتهم خارج الحدود الروسية. اذ تم القاء القبض على عناصر من الشيشان بتهمة الارهاب في بلجيكا وجمهورية التشيك وفرنسا واسبانيا. كما اصدرت محكمة دانماركية حكمها بالسجن لعنصر آخر من الشيشان، عام 2011، بعد ادانته الضلوع في مخطط لتفجير مقر صحيفة دانماركية كانت قد نشرت رسوما مسيئة للرسول (ص) عام 2005. وتم القاء القبض عليه في شهر ايلول لعام 2010 بسبب انفجار قنبلة في فندق قصده بطريق الخطأ.

         عند القاء نظرة شمولية فاحصة على تلك الاحداث يتبين تمدد الارهاب القادم من الشيشان ضد روسيا لخدمة انفصال الاولى. ما يزال عرضة للتكهن التعرف على نوايا الارهابيين ان كان بدافع ممارسة ضغوطات على روسيا، ام تقديم الدعم للقاعدة مقابل مساعدات مالية وحسية.

         بوسعنا القول انه بعد استعراض ما تقدم من معلومات لا يتوفر دليل قوي يربط الاخوين سارنييف مع ارهابيي تنظيم القاعدة، بل يتوفر خيط يربط القاعدة بمجموعات ارهابية في الشيشان. الرواية الروسية حول لقاءات جمعت تيمورلنك وبعض العناصر الارهابية في الشيشان عام 2012 لها ما يبررها؛ لكن خاتمتها تتوقف عند ذاك الحد.

         الاسئلة والاستفسارات المطروحة لا تزال مشرعة، سيما مع توفر الدلائل على تمدد شبكات الارهاب القادم من الشيشان عالميا وخارج نطاق الصراع المألوف مع روسيا. فهل كانت تفجيرات بوسطن باكورة موجات ارهابية لشبكات الشيشان؟ كما ان غياب الاجابة الواضحة والصريحة حول مصادر تمويل الاخوين والخطوات المتبعة لتجميع جزيئات العبوة المتفجرة تفاقم التساؤلات. فهل قاما بكل ذلك، كما يقال، بمكونات بدائية وتمويل لا يكاد يذكر، ام ان هناك من قدم لهما مساعدات جمة؟

         قد لا تعرف الاجابة الكاملة على تلك التساؤلات وغيرها، سيما وان المحققين لا يزالون في اول طريق البحث المضني للتوصل الى خيط يفك المجهول.

 http://www.thinktanksmonitor.com/thinkmonitor/SecInfo.php?id=286

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s