تركيا… الخطأ في التحليل والحساب

تركيا… الخطأ في التحليل والحساب

بقلم نادر مازوجي
عن صحيفة اطلاعات
منذ أن ظهر “أحمد داود أوغلو” كمصلح دبلوماسي لحزب العدالة والتنمية التركي المعروف عنه التوجه الإسلامي في أواخر قرن العشرين الميلادي، فإنه جعل السياسة الخارجية لبلده قائمة على أساس “عدمية التوتر مع دول الجوار” ليس فقط مع الدول العربية والإسلامية فحسب، بل حتى إن الغرب أيضاً استبشر خيراً بتركيا بشكل لا يمكن وصفه على أنها نموذج لبلد مثالي في الشرق الأوسط، ونذكر أنه قبل سنوات عدة كيف أن “رجب طيب أردوغان” رئيس وزراء تركيا قام بترك مؤتمر “دافوس” الاقتصادي، بحضور رئيس الكيان الصهيوني “شيمعون بيريز”، وذلك أمام مئات المحطات التلفزيونية العالمية احتجاجا منه على السياسات الإسرائيلية، وبعد هذه الحركة التي قام بها رئيس الوزراء التركي التي يمكن اعتبارها ذات طابع “نضالي” أمام الكيان الصهيوني، تحول أردوغان إلى بطل الأتراك والعالم الإسلامي.

وبعد هذه الحادثة، انطلقت قافلة المساعدة المتجهة لغزة التي ترافقت مع هجمات كوماندوس إسرائيلي والتي قتل خلالها تسعة أتراك، ليعلو بذلك موقع ومكانة تركيا أكثر فأكثر عند شعوب المنطقة والدول العربية والإسلامية، وبشكل عام نشطت السياسة الخارجية التركية في العقد الأخير في قضايا المنطقة لا سّيما القضية الفلسطينية، إلا أن نظرة عابرة لسياسات هذا البلد إزاء الثورات العربية خلال السنة الأخيرة تدل على أن عجلة السياسة الخارجية التركية انقلبت 180 درجة، وحقيقة إن السياسة الخارجية التركية في الأشهر الأخيرة تشير إلى أن قادة الحزب الإسلامي المسيطر على هذا البلد قد انتهج منهجاً خاطئاً في التحليل والحساب، فضلا عن وضع قدمه في لعبة خطيرة، ففي أزمات بعض الدول العربية كالبحرين واليمن فإن اتجاه السياسية الخارجية التركية كان يشوبها نوع من التحفظ والسكوت ومحاباة الغرب وحتى التقرب من السعودية ومجلس التعاون الخليجي، ولكن في المسألة السورية، فإن أنقرة تتخذ موقفاً متطرفاً للغاية تجاه نظام “بشار الأسد” ليكون هذا الموقف بمثابة الصدمة بالنسبة للمسؤولين السوريين، وأكثر من ذلك كانت العلاقات التركية ـ السورية تتقدم نحو التعاون الاستراتيجي إلا أنها مع بدء الأزمة السورية أصبحت أكثر توتراً.

وفجأة طرأ تغيير في سياسة تركيا إزاء سورية وفتحت حدودها أمام المعارضين السوريين وأخذت على عاتقها استضافة مؤتمرات قادة المعارضة السورية ولم تدخر جهداً للإطاحة بنظام الأسد، وفي هذه المسألة لا نية لدينا بأن نمجد أو حتى نلوم طرفا من الأنظمة العربية المتأزمة من الربيع العربي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ” لماذا كانت تركيا تضع سياسة “عدمية التوتر مع دول الجوار”، فضلا عن دور الوساطة الذي تلعبه في أزمات المنطقة ضمن أولويات سياساتها الخارجية، في حين أنها تعمل بشكل مزدوج بشأن أزمات المنطقة؟ وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن سبب التزامها الصمت إزاء بعض قضايا المنطقة في حين أنها تتعامل بحزم تجاه بعض الأطراف الأخرى؟
ما من شك في أن منهج وأسلوب تركيا إزاء تحولات المنطقة يصب في اتجاه البراغماتية، وفي الحقيقة أن تركيا هي في طور تقديم تعريف جديد لسياستها في الشرق الأوسط، وبالطبع إن التغييرات في الشرق الأوسط والعالم العربي أدت إلى أن يسعى حزب العدالة والتنمية جاهداً لأن يمسك بزمام الأمور على صفحة شطرنج المنطقة في إطار مسار التطورات، وبعبارة أخرى تفكر تركيا أن تكون مرجعاً في الاتصال مع تطورات الشرق الأوسط وأن تكون حضناً دافئاً لمعارضي البلدان التي تشهد تغييراً، لأن الدول الأخرى في المنطقة ليس بمقدورها أن تفعل ذلك أو أنها لا تريد أن تلعب دوراً في هذا الشأن.

في السابق، كانت تركيا تنأى بنفسها عن نزاعات المنطقة، إلا أنها هذه المرة، تحشر أنفها في تلك النزاعات كي تصل إلى أهدافها وتطلعاتها المعروفة، وتسعى تركيا جاهدة كي تتحول إلى قوة تعرض نفسها كنموذج سياسي جديد حتى تتمكن من المساومة مع الغرب في ما يتعلق بمسائل مختلفة وعلى رأسها العضوية في الاتحاد الأوروبي، في حين أن أمريكا تعلن بشكل دائم بأنها ترحب بإشاعة نموذج مشابه لتركيا في الشرق الأوسط، ووفق الرؤية الأمريكية فإن لدى تركيا إمكانية بأن تلعب دوراً مهماً بين الجهات المتخاصمة في المنطقة، كل ذلك يأتي في سياق إصابة تركيا بنوع من الحيرة فيما يخص انضمامها للاتحاد الأوربي، كما أنها شعرت بنوع من الدونية والإهانة وهي تقف على أبواب أوروبا طلباً للعضوية؛ ولهذا السبب فإنها تحاول أن تعوض هذا النقص من خلال لعب دور في أحداث تدور حولها ولا سيّما في دول متأزمة في دول ما يسمى بـ”الربيع العربي”.

ترجمة علي العبدالله ـ سوریة

  http://www.alahednews.com.lb/catessays.php?cid=88        ضيف بتاريخ : 10:43 2012-05-18

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s