“المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED): واجهة شرعية لوكالة الاستخبارات الأميركية!

“المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED): واجهة شرعية لوكالة الاستخبارات الأميركية!

بقلم تييري ميسان

عن الموقع الالكتروني الروسي “Odnako”
بواسطة الموقع الالكتروني الفرنسي “Réseau Voltaire”
ترجمة د. عقيل الشيخ حسين

منذ ثلاثين عاماً تقوم “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED) بتنفيذ الجانب الشرعي من العمليات غير الشرعية التي تنفذها وكالة الاستخبارات الأميركية. ومن غير أن تثير الشبهات، أنشأت المؤسسة المذكورة أوسع شبكة فساد في العالم عبر شراء نقابات العمال وأرباب العمل والأحزاب السياسية من اليسار واليمين، ممن وضعتهم في خدمة مصالح الولايات المتحدة لا في خدمة مصالح المنتسبين إليها. تييري ميسان يتحدث في هذه المقالة عن الأنشطة
الواسعة لهذه المؤسسة.
   في العام 2006، ندد الكرملين الروسي بتكاثر الجمعيات الأجنبية في روسيا، وهي جمعيات يعتقد بأنها شاركت في مخطط سري لزعزعة روسيا تم
   وضعه من قبل “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED). ومن أجل الحيلولة دون نشوب “ثورة ملونة”، قام فلاديسلاف سيركوف بوضع       قواعد صارمة لتنظيم عمل المنظمات غير الحكومية. وقد وصف هذا الإجراء الإداري في الغرب بأنه هجوم جديد يشنه “الديكتاتور” بوتين ومستشاره على حرية التجمع. وقد قامت دول أخرى بإجراءات مماثلة. وبدورها وصفت من قبل الصحافة العالمية بأنها دول “ديكتاتورية”.

إن حكومة الولايات المتحدة تؤكد أنها تعمل من أجل “تعزيز الديموقراطية في العالم”. وهي تتبنى تمويل ” المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED) من قبل الكونغرس، كما تتبنى تمكين هذه المؤسسة من العمل بحرية كاملة في مجال تقديم المساعدة المباشرة وغير المباشرة للجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات التي تخدم هذا التوجه في جميع أنحاء العالم. وبما أن المنظمات غير الحكومية هي، وفق ما يشير إليه اسمها، منظمات “غير حكومية، فإن بإمكانها أن تقوم بمبادرات سياسية لا تستطيع السفارات نفسها أن تقوم بها دون المساس بسيادة الدول التي تفتح أبوابها لها. والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل يمكن اعتبار “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED) وشبكة المنظمات غير الحكومية التي تديرها بمثابة مبادرات من المجتمع المدني تتعرض للقمع الظالم من قبل الكرملين، أم أنها ستار تعمل من خلفه أجهزة الاستخبارات الأميركية المتلبسة بجرم التدخل في شؤون البلدان الأخرى؟
للإجابة عن هذا السؤال، سنعرض لأصل الـ “NED” وطبيعة عملها. ولكن علينا، قبل ذلك، أن نحلل ما يعنيه مشروع الولايات المتحدة الرسمي الخاص بـ “تصدير الديموقراطية”.

كان التطهيريون الذين أسسوا الولايات المتحدة يسعون إلى جعلها “مدينة إشعاع” تضيء العالم. كانوا يعتبرون أنفسهم بمثابة مبشرين بنموذج سياسي جديد.

أية ديموقراطية؟

الأميركيون كشعب يعتنقون إيديولوجيا آبائهم المؤسسين. ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مستعمرة جاء أهلها من أوروبا لتبني مجتمعاً يطيع الله. وينظرون إلى بلدهم على أنه “نور على الجبل”، وفق تعبير القديس متى الذي تردد لأكثر من قرنين على ألسنة الرؤساء الأميركيين في خطاباتهم السياسية. وعلى هذا الأساس، تصبح الولايات المتحدة بمثابة أمة/ نموذج تشع فوق قمة جبل لتضيء العالم. أما جميع شعوب العالم الأخرى فليس عليها غير استنساخ هذا النموذج من أجل الفوز بالخلاص.

هذا الاعتقاد الساذج، يستتبع اعتقاد الأميركيين، بداهة، بأن بلدهم هو بلد ديموقراطي نموذجي، وأن واجبهم الرسالي هو في توسعة هذا النموذج ليشمل بقية بلدان العالم. وفي حين كان القديس متى يعوّل على نشر الإيمان عن طريق إشاعة نموذج للحياة العادلة وحسب، فإن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كانوا يعتبرون أن إشعال نارهم ونشرها هو بمثابة تغيير للنظام. فالتطهيريون الإنكليز قطعوا رأس الملك شارل الأول قبل أن يهربوا إلى هولندا وأميركا… ثم جاء وطنيو العالم الجديد فأنكروا سلطة ملك بريطانيا جورج الثالث وأعلنوا استقلال الولايات المتحدة.

إن تشبّع الأميركيين بهذه الخرافة القومية هو ما يجعلهم ينظرون إلى السياسة الخارجية التي تعتمدها حكومتهم على أنها سياسة غير أمبريالية. من المشروع في نظرهم أن يتم إسقاط حكومة ما ما دام أنها تسعى إلى تجسيد نموذج مختلف عن نموذجهم، على أساس أن اختلافه عنهم يجعله شيطانياً. كما إنهم مقتنعون بأنهم قد تمكنوا من فرض الديموقراطية بالقوة على البلدان التي احتلتها جيوشهم بفضل قيامهم بواجبهم الرسالي. فهم يتعلمون مثلاً في مدارسهم أن مشاة البحرية الأميركية هم من حمل الديموقراطية إلى ألمانيا، جاهلين بذلك أن التاريخ يقول عكس ذلك تماماً: حكومتهم ساعدت هتلر على إسقاط جمهورية ويمار وعلى إقامة نظام عسكري وظيفته محاربة السوفيات.

إن هذه الإيديولوجيا غير العقلانية هي ما يمنعهم من التساؤل حول طبيعة مؤسساتهم وحول الإبهام في مفهوم فرض الديموقراطية بالقوة.

لكن المعروف، تبعاً لمقولة الرئيس أبراهام لنكولن، إن “الديموقراطية هي حكم الشعب، من قبل الشعب، لأجل الشعب”.

وعلى هذا الأساس لا تكون الولايات المتحدة دولة ديموقراطية، بل تكون نظاماً هجيناً تتحكم بسلطته التنفيذية حفنة قليلة من العائلات والأفراد، في حين أن الشعب يحد من تعسف تلك الحفنة عن طريق السلطة المضادة في المجالين التشريعي والحقوقي. ويصح ذلك بالفعل لأنه إذا كان من الصحيح أن الشعب ينتخب الكونغرس وبعض القضاة، فإن الولايات الفيدرالية هي التي تعين أفراد السلطة التنفيذية، وهؤلاء يعينون كبار القضاة. وبالرغم من استدعاء المواطنين لاختيار الرئيس عن طريق الانتخاب، فإن أصواتهم لا تتمتع بأكثر من صفة استشارية، وهذا ما ذكّرت به المحكمة العليا عام 2000 عندما أثيرت قضية فوز بوش على آل غور. أما دستور الولايات المتحدة، فإنه لا يعترف بسيادة الشعب لأن السلطة موزعة بينه وبين الولايات الفيدرالية، أي المتنفذين المحليين.

ولا بد هنا من إشارة عابرة إلى أن دستور روسيا الاتحادية هو، على العكس من ذلك، دستور ديموقراطي… على الورق في أقل تقدير. فهو ينص على أن “صاحب السيادة والمصدر الوحيد للسلطة في الاتحاد الروسي هو الشعب بقومياته المتعددة”.

إن هذا النسق الفكري هو ما يفسر الدعم الذي تحصل عليه الحكومة الأميركية من قبل الأميركيين عندما تعلن عن عزمها على “تصدير الديموقراطية”، في حين أن الولايات المتحدة ليست بلداً ديموقراطياً من الناحية الدستورية. لكننا لا نفهم كيف أن بإمكانهم أن يصدّروا ما ليس عندهم ولا يريدون له أن يكون عندهم.

إن هذا التناقض هو ما حملته “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED) خلال السنوات الثلاثين الماضية، وهو ما تجلى في زعزعة العديد من الدول. إن آلاف الناشطين السذج وجميع المنظمات غير الحكومية ينتهكون سيادة الشعوب وهم يلصقون على وجوههم ابتسامة واسعة نابعة من راحة الضمير.

يتبع …

* تييري ميسان هو مثقف فرنسي، قام بتأسيس ورئاسة “شبكة فولتير” ومنتدى “العمل من أجل السلام”. وهو ينشر تحليلات في السياسة الدولية في الصحافة العربية والأميركية اللاتينية والروسية. آخر مؤلفاته بالفرنسية يحمل عنوان: “الكذبة المريعة. تلاعبات وأضاليل”.

أضيف بتاريخ : 12:58 2011-11-16 |           http://www.alahednews.com.lb/catessays.php?cid=88

                         

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s