المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED) : واجهة شرعية لوكالة الاستخبارات الأميركية !(2)

“المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED) : واجهة شرعية لوكالة الاستخبارات الأميركية !(2)
بقلم تييري ميسان
عن الموقع الالكتروني الروسي “Odnako”
بواسطة الموقع الالكتروني الفرنسي “Réseau Voltaire”
6 تشرين الأول / أكتوبر 2010
منذ ثلاثين عاماً تقوم “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED) بتنفيذ الجانب الشرعي من العمليات غير الشرعية التي تنفذها وكالة الاستخبارات الأميركية. ومن غير أن تثير الشبهات، أنشأت المؤسسة المذكورة أوسع شبكة فساد في العالم عبر شراء نقابات العمال وأرباب العمل والأحزاب السياسية من اليسار واليمين، ممن وضعتهم في خدمة مصالح الولايات المتحدة لا في خدمة مصالح المنتسبين إليها. تييري ميسان يتابع حديثه في جزء ثانٍ من مقالة مهمة عن الأنشطة الواسعة لهذه المؤسسة.
مؤسسة تعددية ومستقلة
في الخطاب الشهير الذي ألقاه في 8 حزيران / يونيو 1982 أمام مجلس العموم البريطاني، توجه الرئيس ريغان بالإدانة للاتحاد السوفياتي بوصفه “امبراطورية الشر”، وعرض تقديم المساعدة للمنشقين هناك وفي البلدان الأخرى. ومما جاء في ذلك الخطاب: “تندرج تلك المساعدة في إطار الإسهام في وضع البنية التحتية التي تتطلبها الديموقراطية وتشتمل على حرية الصحافة والنقابات والأحزاب السياسية والجامعات. وبذلك، تمتلك الشعوب حريتها في اختيار الطريق التي تناسبها من أجل تنمية ثقافتها وتسوية ما بينها من خلافات بالوسائل السلمية”.
وعلى هذا الأساس التوافقي القائم على النضال ضد الطغيان، تشكلت في واشنطن لجنة ثنائية للتفكير ودعت إلى تكوين “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED). وقد استجاب الكونغرس لتلك الدعوة في تشرين الثاني / نوفمبر 1983 وباشر تمويل المؤسسة على الفور.
وتقوم المؤسسة بتمويل أربعة فروع مستقلة عن بعضها بعضاً، وهذه الفروع توزع ما يتوفر لديها من أموال على جمعيات ونقابات للعمال وأرباب العمل وأحزاب سياسية من اليمين واليسار. وهذه الفروع هي التالية :
– “معهد النقابات الحرة” الذي تغير اسمه ليصبح اليوم “المركز الأميركي للتضامن بين الشغيلة”، ويديره اتحاد النقابات الأميركية (AFL-CIO).
– “مركز الشركات الخاصة الدولية”، وتديره غرفة التجارة في الولايات المتحدة.
– “المعهد الجمهوري الدولي”، ويديره الحزب الجمهوري.
– “المعهد القومي الديموقراطي للشؤون الدولية، ويديره الحزب الديموقراطي.
وهكذا، تظهر “NED” وأذرعها الخمسة وكأنها منبثقة من المجتمع المدني ومعبرة عن التنوع الاجتماعي والتعددية السياسية. وبالنظر إلى تمويلها من قبل الشعب الأميركي عبر الكونغرس، فإنها تبدو وكأنها تعمل في خدمة المثل العليا العالمية. وهي تقدم نفسها على أنها مستقلة تماماً عن الإدارة الأميركية. كما تدعي أن عملها يتمتع بالشفافية ولا يمكنه أن يكون قناعاً للعمليات السرية التي تخدم المصالح القومية الأميركية غير المعلنة.
لكن الواقع مختلف تماماً.
مسرحية من إخراج وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، وجهاز الاستخبارات البريطاني (M16) والأوسترالي (ASIS) 
وبالعودة إلى الخطاب الذي ألقاه رونالد ريغان في لندن، فإن هذا الخطاب قد جاء بعد الفضائح التي أحاطت بالكشف، من قبل لجان تحقيقي برلمانية، عن عمليات مشينة قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. عندها قام الكونغرس بمنع الوكالة من تدبير انقلابات جديدة بهدف كسب الأسواق. أما في البيت الأبيض، فقد بدأ مجلس الأمن القومي بالبحث عن أدوات تسمح بالالتفاف على قرار المنع الصادر عن الكونغرس.
وكانت لجنة التفكير المنبثقة عن الحزبين الجمهوري والديموقراطي قد شكلت قبل خطاب رونالد ريغان، حتى وإن لم تحصل إلا في وقت لاحق على تفويض رسمي من البيت الأبيض. وعلى هذا، فإنها لم تكن وسيلة لتحقيق الطموحات الفضفاضة التي عبر عنها الرئيس، لأنها سابقة على خطابه. وبالنتيجة، فإن ذلك الخطاب لم يكن غير لبوس خطابي لقرارات سبق تحديد خطوطها العريضة ليصار إلى إخراجها من خلال اللجنة المنبثقة عن الحزبين.
وقد شكلت هذه اللجنة برئاسة الممثل الخاص للولايات المتحدة في مجال التجارة، ما يدل على أن هدفها لم يكن تعزيز الديموقراطية بل ـ وفقاً للمعنى الذي كرسه هذا التعبير ـ تعزيز “ديموقراطية السوق”. ويتصل هذا المفهوم الغريب بالنموذج الأميركي : قلة حاكمة اقتصادياً ومالياً تفرض خياراتها السياسية من خلال الأسواق والدولة الفيدرالية، في حين يسعى البرلمانيون والقضاة المنتخبون من قبل الشعب إلى حماية الأفراد من تعسف الإدارة.
وقد شكلت لخدمة هذا الغرض ثلاثة أجهزة محيطية حول “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED ). ولم تكن هنالك حاجة لتأسيس الجهاز الرابع، أي الجهاز النقابي المعروف باسم “اسيلز”. فهذا الأخير كان موجوداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع أن اسمه قد تغير عام 1978 عندما انكشف ارتباطه بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. من هنا، يمكننا أن نستنتج أن سيب إيري وندي لم تولد بفعل التكاثر العفوي، بل أيضاً برعاية وكالة الاستخبارات.
فوق ذلك، وبالرغم من كون “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED ) جمعية حقوقية أميركية، فإنها ليست أداة في يد وكالة الاستخبارات وحدها، بل هي جهاز تشترك فيه كل من الاستخبارات البريطانية (من هنا الإعلان عنها في لندن من قبل ريغان) والاستخبارات الأسترالية. وقد أحاط الصمت على الدوام بهذه المسألة المركزية. لكن وجودها أكدته رسائل التهنئة الموجهة من قبل رئيسي الوزراء طوني بلير وجون هوارد بمناسبة الذكرى العشرين لولادة هذه المنظمة غير الحكومية المزعومة. فـ”المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED ) وفروعها هي أعضاء في الحلف العسكري الإنكلوسكسوني الذي يربط بين واشنطن ولندن وكانبيرا، وذلك تماماً كما هو الحال بالنسبة لشبكة الاعتراض الالكتروني “إيشلون”. وتمكن الاستعانة بهذا الجهاز ليس فقط من قبل الاستخبارات الأميركية، بل أيضاَ من قبل جهاز الاستخبارات البريطاني (M16) والأوسترالي (ASIS).
ومن أجل التغطية على هذا الواقع، دفعت “المؤسسة القومية من أجل الديموقراطية” (NED ) حلفاءها إلى إنشاء تنظيمات مماثلة تعمل معها. ففي العام 1988، أنشأت كندا مركز الحقوق والديموقراطية الذي ركز جهوده خصوصاً على هايتي، ثم على أفغانستان. وفي العام 1991، أنشأت بريطانيا “مؤسسة وستمنستر من أجل الديموقراطية”. وقد استنسخ عمل هذا الجهاز عن مؤسسة (NED )، حيث أوكلت إدارتها إلى ثمانية مندوبين هم ثلاثة من حزب المحافظين وثلاثة من حزب العمال ومندوبان أحدهما عن حزب الأحرار والآخر عن بقية الأحزاب الممثلة في مجلس العموم. هذا، وقد نشطت “مؤسسة وستمنستر من أجل الديموقراطية” بشكل ملحوظ في أوروبا الشرقية. وأخيراً، أنشأ الاتحاد الأوروبي جهازاً تحت اسم “الوكالة الأوروبية للديموقراطية وحقوق الإنسان”، ولكن هذه الوكالة لا تشكل مصدر ارتياب بمستوى نظرائها في البلدان الانكلوسكسونية. وهذا المكتب الأوروبي تابع لـمنظمة المساعدات الأوروبية (EropAid) الذي يديره موظف كبير قوي لكنه غير معروف هو الهولندي جاكوبوس ريشيل.
ترجمة د. عقيل الشيخ حسين
*تييري ميسان ، مثقف فرنسي، قام بتأسيس ورئاسة “شبكة فولتير” ومنتدى “العمل من أجل السلام”. وهو ينشر تحليلات في السياسة الدولية في الصحافة العربية والأميركية اللاتينية والروسية. آخر مؤلفاته بالفرنسية يحمل عنوان : “الكذبة المريعة. تلاعبات وأضاليل”.
أضيف بتاريخ : 21:25 2011-12-19                               |http://www.alahednews.com.lb/catessays.php?cid=88                                                     
Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s