نعوم تشومسكي: سيطرة أمريكا آخذة في التراجع، لكنها لا تزال تعتقد أنها تملك العالم

نعوم تشومسكي: سيطرة أمريكا آخذة في التراجع، لكنها لا تزال تعتقد أنها تملك العالم
http://alasr.ws/2013-2-5 |
 خدمة العصرنعوم تشومسكي: سيطرة أمريكا آخذة في التراجع، لكنها لا تزال تعتقد أنها تملك العالم

منحت الولايات المتحدة لنفسها منذ فترة طويلة الحق في استخدام العنف لتحقيق أهدافها، لكنها الآن أقل قدرة على تنفيذ سياساتها.

(ملاحظة: هذا المقطع هو جزء من كتاب: حديث عن الانتفاضات الديمقراطية العالمية والتحديات الجديدة للإمبراطورية الأمريكية، وهو مجموعة مقابلات مع الكاتب الأمريكي ومقدم برامج “باساميان ديفيد” (David Barsamian)، والأسئلة طرحها الكاتب نفسه، والأجوبة لتشومسكي).

* هل لا تزال للولايات المتحدة المستوى نفسه من السيطرة على موارد الطاقة في الشرق الأوسط كما كانت له من قبل؟

تشومسكي: البلدان الرئيسية المنتجة للطاقة لا تزال تحت سيطرة الديكتاتوريات المدعومة من الغرب. لذلك، في الواقع، فإن التقدم الذي أحرزه الربيع العربي محدود، ولكنه ليس هامشيا.

وفي حين يتآكل النظام الغربي المسيطر على الدكتاتوريات، غير أنه في الواقع، يتآكل لبعض الوقت. لذلك، على سبيل المثال، إذا عدت 50 سنة إلى الوراء، فإن موارد الطاقة -الشغل الشاغل لمخططي الولايات المتحدة- كانت في معظمها مؤممة. هناك محاولات مستمرة لنقض ذلك، ولكنها لم تنجح.

لنأخذ الغزو الأمريكي للعراق، على سبيل المثال: بالنسبة للجميع ما عدا المنظر الموجه، كان من الواضح جدا أننا غزونا العراق ليس بسبب حبنا للديمقراطية، ولكن لأنه ربما يمتلك ثاني أو ثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم… وليس من المفترض أن تقول هذا، لأن هذا الكلام يُصنف ضمن نظرية المؤامرة.وقد هُزمت الولايات المتحدة فعلا في العراق من طرف المدَ الوطني العراقي، ومعظمه من المقاومة اللاعنفية.

يمكن للولايات المتحدة قتل المسلحين، لكن لا يمكنها أن تتعامل مع نصف مليون شخص يتظاهرون في الشوارع. وخطوة خطوة، كان العراق قادرا على تفكيك مراكز السيطرة التي وضعتها قوات الاحتلال. وبحلول نوفمبر من عام 2007، أصبح من الواضح جدا أنه من الصعب جدا على الولايات المتحدة تحقيق أهدافها. وعند هذه النقطة، ومما يثير الاهتمام، انكشفت هذه الأهداف بشكل صريح.

لذلك، في نوفمبر 2007 أصدرت إدارة بوش (الابن) إعلانا رسميا حول ما يجب أن يكون عليه أي ترتيب مستقبلي مع العراق. وكان هناك شرطان رئيسان: الأول، إطلاق يد الولايات المتحدة في تنفيذ عمليات قتالية من قواعدها العسكرية، التي ستحتفظ بها، والثاني: “تشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى العراق، خصوصا الاستثمارات الأمريكية”.

في يناير 2008، أوضح هذا الرئيس بوش بشكل واضح في واحد من تصريحاته. وبعدها ببضعة أشهر، تخلت واشنطن عن هذا في مواجهة المقاومة العراقية. والآن تختفي السيطرة على العراق أمام أعينهم.

وقد خضع العراق لمحاولة إعادة التأسيس بالقوة والعنف مثلما فعله نظام السيطرة القديم، لكنها فشلت مرة أخرى. بشكل عام، أعتقد أن سياسات الولايات المتحدة تظل ثابتة، وتعود في هذا إلى الحرب العالمية الثانية، ولكن القدرة على تنفيذها آخذة في التراجع.

* وهل هذا التراجع بسبب الضعف الاقتصادي؟

تشومسكي: يرجع ذلك جزئيا إلى أن العالم أصبح أكثر تنوعا، فثمة مراكز قوى أكثر تباينا. في نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة في ذروة قوتها. وكانت تحوز على ثروة نصف سكان العالم، وكان كل واحد من منافسيها قد تضرر بشكل كبير أو محطما. وكان لديها موقف لا يمكن تصوره من الأمن ووضع خطط لإدارة العالم، بشكل غير واقعي في ذلك الوقت.

* كان يسمى هذا مخطط “المنطقة الكبرى”؟

تشومسكي: نعم. مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، رسم جورج كينان، رئيس موظفي سياسات التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية وغيره، التفاصيل، ومن ثم قاموا بتنفيذها.

ما يحدث الآن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى حد ما، وفي أمريكا الجنوبية، يعود بنا إلى أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، حيث تحقق أول نجاح كبير لمقاومة هيمنة الولايات المتحدة في عام 1949، وذلك عندما وقع حدث ملفت، سُمي بـ”خسارة الصين”. إنها عبارة مثيرة جدا للاهتمام، غير قابلة للتحدي.

وكان هناك الكثير من النقاش حول من هو المسؤول عن خسارة الصين. وأصبحت قضية داخلية كبرى. ولكنها كانت عبارة مثيرة جدا للاهتمام، حيث لا يمكنك أن تفقد شيئا إلا إذا كنت تملكه. وقد أُخذ الأمر على أساس أنه مسلم به: ملكنا الصين، وإذا تحركت نحو الاستقلال، فإننا نكون قد فقدناها.

وفي وقت لاحق، أُثيرت مخاوف بشأن “خسارة أمريكا اللاتينية”، و”فقدان الشرق الأوسط”، “فقدان” بعض البلدان، وكلها ترتكز على فرضية أننا نملك العالم، وأي شيء يضعف سيطرتنا فهو خسارة لنا، ومن ثم نفكر في كيفية استعادته.

* اليوم، إذا كنت تقرأ مجلات السياسة الخارجية، أو تستمع، بشكل هزلي، إلى مناقشات الجمهوريين، تجدهم يتساءلون: “كيف يمكننا منع المزيد من الخسائر؟”

تشومسكي: من ناحية أخرى، انخفضت قدرة الحفاظ على السيطرة بشكل كبير. ذلك أنه بحلول عام 1970، استقر وضع العالم فعليا على ما يمكن تسميته “ثلاثي الأقطاب” اقتصاديا، مع المركز الصناعي لأمريكا الشمالية، ومقره الولايات المتحدة، ومركز صناعي أوروبي ومقره ألمانيا، وكانا متقاربين من حيث الحجم، ومركز شرق آسيوي، ومقره اليابان، وهي المنطقة التي كانت آنذاك الأكثر نموا في العالم. ومنذ ذلك الحين، أصبح النظام الاقتصادي العالمي أكثر تنوعا. لذلك فمن الصعب تنفيذ سياساتنا، ولكن المبادئ الأساسية لم تتغير كثيرا.

لنأخذ مذهب كلينتون. كان مذهبه قائم على أحقية الولايات المتحدة باللجوء إلى القوة من جانب واحد لضمان “الوصول غير المقيد إلى الأسواق الرئيسية، إمدادات الطاقة والموارد الإستراتيجية”، وهذا ذهب أبعد مما قاله جورج بوش الابن، ولكنه (مذهب كلينتون) كان هادئا ولم يكن متغطرسا، لذلك لم يسبب الكثير من الضجة. ولا يزال الاعتقاد في حق استعمال القوة سائدا إلى وقتنا الحالي، كما إنه جزء من الثقافة الفكرية.

مباشرة بعد اغتيال أسامة بن لادن، وسط هتافات وتصفيق الجميع، كانت هناك بعض التعليقات الحرجة التي تساءلت عن شرعية هذا القانون. منذ قرون، كان هناك ما يسمى “افتراض البراءة”، إذا ألقيت القبض على أحد المشتبه بهم، يظل مشتبها به حتى تثبت إدانته. يجب أن يقدم للمحاكمة. وكان هذا جزءا أساسيا من القانون الأمريكي. ويمكنك تتبع أثر هذا في وثيقة “ماغنا كارتا”، حيث كانت هناك بضعة أصوات تقول ربما لا ينبغي لنا أن نهدم الأسس الكاملة للقانون الأنجلو أمريكي..

 * حددت صحيفة “نيويورك تايمز” ما وصفته بـ”المأزق السياسي في التعامل مع الربيع العربي” بكيفية مواجهة تناقضات الدوافع الأمريكية، بما في ذلك الدعم من أجل التغيير الديمقراطي، والرغبة في الاستقرار، والحذر من الإسلاميين الذين أصبحوا قوة سياسية فعالة”. “تايمز” تحدد ثلاثة أهداف للولايات المتحدة. ما رأيك في هذه؟

تشومسكي: اثنان منهما دقيقان. الولايات المتحدة تميل لصالح الاستقرار. ولكن عليك أن تتذكر ماذا يعني الاستقرار. الاستقرار يعني الامتثال لأوامر الولايات المتحدة. لذلك، على سبيل المثال، فإن واحدة من الاتهامات الموجهة لإيران، التهديد الكبير للسياسة الخارجية، هي زعزعة استقرار العراق وأفغانستان. كيف؟ بمحاولة توسيع نفوذها في الدول المجاورة. لكن من جانبنا، فنحن نؤمن “استقرار” الدول عندما نغزوهم وندمرهم؟

لقد اقتبست في بعض الأحيان واحدا من الأمثلة التوضيحية المفضلة لدي عن هذا الأمر، وهو من المعروفين جدا، ومن محللي السياسة الخارجية اللبراليين، “جيمس شاس”، وهو رئيس التحرير السابق لمجلة “الشؤون الخارجية”. كتب عن الإطاحة بنظام “سلفادور الليندي” (رئيس جمهورية تشيلي في الفترة من 1970 وحتى العام 1973 عند مقتله في الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكمه)، وفرض ديكتاتورية أوغستو بينوشيه في عام 1973، قال إنه كان علينا أن “نزعزع استقرار” شيلي لصالح “الاستقرار”، وهذا لا يُنظر إليه أمريكيا على أنه تناقض. وكان علينا تدمير النظام البرلماني من أجل تحقيق الاستقرار، وهذا يعني أن يفعلوا ما نقول. لذا نحن مع الاستقرار بهذا المعنى.

أما عن قلقها إزاء الإسلام السياسي هو تماما مثل قلقها من أي تنمية مستقلة، فأي شيء مستقل يقلقها، لأنه قد يقوضها. وفي الواقع، هذه مفارقة، وذلك لأن الولايات المتحدة وبريطانيا يؤيدان، تقليديا، الراديكالية الإسلامية، وليس الإسلام السياسي، كقوة لمنع القومية العلمانية، وهذا هو قلقها الحقيقي.

لذلك، تبدو المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، الدولة الأصولية الأكثر تطرفا في العالم، وهي دولة إسلامية راديكالية. ولديها الحماس التبشيري، ونشر الإسلام الراديكالي في باكستان وتمويل الإرهاب. ولكنها الحصن المنيع للسياسة الأميركية والبريطانية. لقد تم دعمها على الدوام ضد خطر القومية العلمانية من جمال عبد الناصر في مصر وعبد الكريم قاسم في العراق، ضمن أشياء أخرى كثيرة. لكنهم لا يحبون الإسلام السياسي لأنه قد يصبح قوة مستقلة.

أول النقاط الثلاث، توقنا للديمقراطية، وهذا قريب مما تحدث به جوزيف ستالين عن التزام روسيا بنشر الديمقراطية والحرية في العالم…

إذا نظرت إلى السجل، يبدو التوق إلى الديمقراطية نكتة سيئة. وهذا معترف به حتى من قبل كبار العلماء، وإن كانوا لا يصورون الأمر بهذه الطريقة. واحد من كبار علماء مال يسمى بـ”تعزيز الديمقراطية” “توماس كاروثرز”، وهو من المحافظين جدا ويحظى باحترام كبير، ويُحسب على “الريغانية الجديدة” (نسبة إلى الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان) وليس ليبراليا محترقا.

وكان يعمل في وزارة الخارجية أيام الرئيس ريغان، وله عدة مؤلفات استعرض فيها مسار تعزيز الديمقراطية.. يقول: نعم، هذه مثالية أمريكية عميقة الجذور، لكن تاريخها مضحك. والتاريخ يشير إلى أن كل الإدارات الأمريكية كانت مصابة بـ”الفصام”، ذلك أن لا تدعم الديمقراطية إلا إذا كان مطابقة لبعض المصالح الإستراتيجية والاقتصادية. وهو يصف هذا بأنه علم الأمراض الغريبة، كما لو أن الولايات المتحدة بحاجة لعلاج نفسي أو شيء من هذا القبيل. بالطبع، هناك تفسير آخر، ولكنه لا يمكن أن يتبادر إلى الذهن إذا كنت مثقفا، تصرفت بشكل صحيح فكريا.

* في غضون عدة أشهر من الإطاحة بمبارك في مصر، كان في قفص الاتهام يواجه اتهامات جنائية ومحاكمة. لكن لا يمكن تصور في أي وقت القبض على قادة الولايات المتحدة للمساءلة عن جرائمهم في العراق أو خارجه، هل هذا قد يتغير في أي وقت قريب؟

تشومسكي: .. من أسس النظام الدولي أن الولايات المتحدة لديها الحق في استخدام العنف عندما تريد ذلك، فكيف تقوم باتهام أي شخص؟

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s