نماذج جديدة لنزاعات القرن الحادي والعشرين.. رؤية أمريكية

 http://www.darbabl.net/tarjama.php

على الرغم من النظرة الخلفية الوردية إلى حد ما التي ننظر بها الآن إلى الحرب العالمية الثانية، كان هناك انشقاق كبير آنذاك حول أهداف الحرب وسلوكها واستراتيجيتها. إلا أنه لم يكن هناك أي اختلاف حول كونها حربا بالفعل أو حول كون دول المحور هي العدو/ المعتدية.

قارن ذلك بالحرب على الإرهاب. البعض يجادل في صحة الفكرة القائلة إنه يمكن تعريف الصراع على أنه حرب. ويشكك آخرون في حقيقة التهديد. وينحو منتقدو الحرب المنتمون إلى أقصى اليسار باللوم على المصالح الصناعية الأميركية، فيما ترى فئة متطرفة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر كمؤامرة هائلة أنزلتها أميركا بنفسها. وبشكل أكثر جدية، يختلف الناس حول العدو. هل القاعدة خطر حقيقي أم أنها نتاج جنون ارتياب (بارانويا) غربي وردة فعل مبالغ فيها؟ هل هي حتى منظمة حقيقية؟ وهل القاعدة حركة شعبية جماهيرية أم مجرد فلسفة، أو حالة ذهنية؟ هل العدو كله إرهاب؟ هل هو التطرف؟ أم هل الإسلام نفسه تهديد بشكل ما؟ وهل هذه مشكلة عسكرية أو سياسية أو حضارية أساسا؟ وكيف سيكون شكل “الانتصار”؟ هذه الأمور الأساسية موضع نزاع، لم يكن قائماً حول العناصر الأساسية في الصراعات السابقة (ربما باستثناء الحرب الباردة).

والحقيقة هي أن تهديد القاعدة حقيقي للغاية. إلا أن الغموض ينشأ لأن هذا الصراع يخرج عن إطار النماذج الموجودة ـ بما في ذلك المفاهيم المتعلقة بـ”الحرب” و”الدبلوماسية” و”الاستخبارات” وحتى “الإرهاب”. فكيف، على سبيل المثال، نشن حربا على لاعبين لا يمثلون دولا ويختبئون في دول بيننا وبينها سلام؟ وكيف نعمل مع حلفاء توفر أراضيهم ملجأ آمنا لأعداء ليسوا دولا؟ وكيف نهزم أعداء يستغلون أدوات العولمة والمجتمعات المفتوحة، بدون أن ندمر الأشياء ذاتها التي نسعى لحمايتها؟

نموذج جديد

يجادل الجنرال البريطاني روبرت سميث بأن الحرب ـ المعرّفة على أنها صراع صناعي بين الدول تخوضه جيوش، تقرر فيه المعارك وقعقعة السلاح النتيجة – لم تعد موجودة، وأننا أصبحنا الآن بدلا من ذلك في عصر “الحرب بين الناس”، حيث تتوقف فائدة القوات العسكرية وصلاحيتها للاستعمال على قدرتها على التكيف مع سياقات سياسية معقدة والاشتباك مع أعداء ليسوا دولا تحت أنظار الرأي العام العالمي النزاع إلى الانتقاد. ولا ريب في أنه، في الصراعات المعقدة المتعددة الأطراف وغير النظامية كالعراق، أخفق القتال على طريقة الحروب التقليدية في تحقيق نتائج حاسمة. وقمنا بدلا من ذلك بتبني أساليب القيام بأعمال الشرطة كالمحافظة على الأمن والنظام، وبناء الدول، ومقاومة التمرد ـ وطورنا أدوات جديدة ساهمت فيها وتستخدمها الوكالات المختلفة “أثناء انشغالنا” بالحرب والأمور الأخرى.

وعلى نحو مماثل، نقوم تقليدياً بتصريف الدبلوماسية القائمة بين الدول عن طريق التعاطي مع فئات النخبة في المجتمعات الأخرى: الحكومات وطبقة المثقفين وكبار رجال العمال، من بين آخرين. والنظرية هي أن حل المشاكل يصبح ممكناً عندما تتفق النخب، ويتغلب الأسلوب الأكثر عقلانية وأقل عاطفية، وتتفاوض الحكومات ثم تنفذ الاتفاقيات. وتنطلق مفاهيم السيادة والدولة القومية وأنظمة المعاهدات والمؤسسات الدولية جميعها من هذا النموذج وتصب فيه. ومع ذلك فإن العدو ينظم على المستوى غير النخبوي، مستغلا مشاعر الاستياء والانسلاخ في العديد من الدول، ليجمّع تأثيرات اللاعبين المتعددين على المستوى الشعبي في حركة جماهيرية ذات امتداد عالمي. كيف تعالج النماذج النخبوية للدبلوماسية ذلك التحدي؟ ليست هذه مشكلة جديدة ـ فقد وضعت برامج مختلفة في السفارات الأميركية خلال الحرب الباردة للتعاطي مع عناصر غير حكومية في المجتمعات المدنية المعرضة للتخريب الشيوعي. ولكن العمل بالكثير من هذه البرامج توقف بعد عام 1992، كما أن مشاكل التطرف الديني أو العنف السياسي تتطلب تغيير الأساليب بشكل حاذق.

كما أن وكالات الاستخبارات التقليدية ليست مصممة أساسا لاكتشاف ما يدور من أمور بل للحصول على الأسرار من الدول الأخرى. وهي مهيأة جيداً للتعامل مع الأهداف التي تملكها وتوجهها دول أخرى ولكنها أقل ملائمة للتعامل مع لاعبين ليسوا دولا، حيث تكون المشكلة الحصول على معلومات غير سرية ولكنها موجودة في منطقة جغرافية أو بشرية ممنوعة أو معادية أو لا يمكن الوصول إليها. ولا تستطيع وكالات الاستخبارات التقليدية، حتى عندما يتعلق الأمر بالدول، تبليغنا بما يدور من أمور، وإنما فقط بما تعتقد الحكومات الأخرى أنه يجري من أمور. لماذا، على سبيل المثال، قصرت وكالات الاستخبارات الغربية في معرفة أمر انهيار الاتحاد السوفييتي الوشيك في العام 1992؟ السبب، جزئيا، هو أننا كنا نقرأ بريد الزعماء السوفييت ـ وهم أنفسهم أخفقوا في فهم عمق خيبة أمل الشعب بالشيوعية وتحرره من أوهامها. ولماذا اعتقدت معظم الدول (بما فيها تلك التي عارضت الحرب في العراق) في العام 2002 أن نظام حكم صدام حسين كان يمتلك أسلحة الدمار الشامل؟ لأنها كانت تعترض اتصالات النظام، وكان العديد من كبار أعضاء النظام يعتقدون بأن العراق كان يمتلكها.

وتدعم اتجاهات قائمة منذ فترة طويلة هذه البيئة. ومن هذه الاتجاهات الدافعة لها العولمة وردة الفعل المعادية لها، وظهور لاعبين ليسوا دولاً يملكون قدرات تماثل قدرات بعض الدول، والتفوق العسكري الأميركي التقليدي الذي يرغم جميع الأعداء على تجنب مواطن قوته والتحول إلى أساليب غير تقليدية، وبيئة إعلامية عالمية تستند إلى الإنترنت والاتصالات عبر الأقمار الصناعية. وستبقى كل هذه الاتجاهات قائمة حتى لو اختفت القاعدة غدا، وإلى أن نظهر قدرة على هزيمة هذا النوع من التهديد، سيتبنى أي عدو ذكي أسلوبا مماثلا. وقد ننظر في المستقبل إلى القاعدة، لا على أنها كانت بأي شكل تحدياً لا يتكرر بشكل مماثل، وإنما على أنها كانت نذير عصر جديد من الصراع.

التكيف مع البيئة الجديدة

لذا، وكما لاحظ سفير مقاومة الإرهاب الأميركي السابق هانك كرمبتون، يبدو أننا نقف على عتبة عصر جديد للحرب يقتضي رداً تكيفيا. والدول القومية في هذا العصر الجديد، مثلها في ذلك مثل الديناصورات التي تفوقت عليها حيوانات ثديية أصغر وأضعف ولكنها أكثر قابلية للتكيف، أكثر قوة ولكنها أقل خفة حركة ومرونة من الأعداء الذين ليسوا دولا. وسيتوقف النجاح، كما هو الحال في جميع النزاعات، على قدرتنا على التكيف، والتوصل إلى ردود جديدة، واستباق بيئة مهددة بالخطر وسريعة التغير.

ويتكيف العدو بسرعة كبيرة. خذ مثلاً تطور القاعدة منذ أواسط عقد التسعينيات من القرن الماضي. فالهجمات المبكرة (الهجمات على السفارتين الأميركيتين في شرق إفريقيا، وعلى المدمرة يو إس إس كول، وهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر نفسها) كانت “حملات” قام بها مبعوثون: شكلت القاعدة فريقا في الدولة أ، وأعدته في الدولة ب، وحققت تغلغله بصورة سرية في الدولة ج لمهاجمة هدف. وقد قمنا، ردا على ذلك، بتحسين أمن أنظمة النقل والمواصلات، وحماية البنية التحتية، وضبط الهجرة. وكرد على ذلك، قام الإرهابيون من جانبهم بتطوير أسلوب “حرب العصابات”، حيث قاموا، بدلا من تشكيل فريق في مكان بعيد وإدخاله بصورة سرية لشن الهجوم، بإنشاء الفريق قرب الهدف مستخدمين مواطنين من الدولة المضيفة. واتبعت تفجيرات مدريد ولندن وهجمات الدار البيضاء وإسطنبول وجدة هذا النمط، كما تم اتباعه في مؤامرة تفجير طائرات الركاب التي أحبطت في لندن في صيف العام 2006.

وكثيرا ما توصف هذه الهجمات بأنها “محلية النشأة”، ولكنها استلهمت تنظيم القاعدة الذي استغلها وقام إلى حد ما بتوجيهها. فعلى سبيل المثال، طار محمد صديق خان، زعيم عملية تفجيرات لندن في السابع من تموز/ يوليو 2005، إلى باكستان وربما اجتمع آنذاك مع ممثلي القاعدة للحصول على التوجيه والتدريب قبل وقوع عملية التفجيرات بفترة من الزمن. ولكن الأسلوب الجديد ألغى بصورة مؤقتة مفعول تدابيرنا المضادة ـ فبدلا من تهريب 19 شخصا إلى الداخل، أحضر الإرهابيون رجلا واحدا إلى الخارج ـ متجنبين إجراءاتنا الأمنية الجديدة. لقد تكيف الإرهابيون مع نهجنا الجديد بتطوير أساليب جديدة خاصة بهم.

ونحن الآن، بطبيعة الحال، متيقظون لأسلوب “حرب العصابات” هذا، كما أظهر فشل مؤامرات شهر آب/ أغسطس 2006 في المملكة المتحدة وغيرها من الهجمات المحتملة الحديثة. إلا أنه ما من شك في أن الإرهابيين يطورون حالياً بالفعل تدابير جديدة تكيفية. والأساليب التي تنجح في مكافحة الإرهاب تصبح بمجرد نجاحها تقريباً أساليب قديمة أصبحت باطلة وانقضى وقت استعمالها: يتطور أعداؤنا ويغيرون أساليبهم حالما نسيطر على أسلوبهم الحالي. وليست هناك “وصفة سحرية” للقضاء عليهم. فالإرهاب، كالملاريا، يتغير بصورة متواصلة متخذاً أشكالاً جديدة تتطلب مجموعة ردود يتم تطويرها وتحديثها بصورة متواصلة.

خمس خطوات عملية

لقد قامت الولايات المتحدة حتى الآن، في سياق ردها على هذا الشكل المضاد للبديهة من أشكال الحرب، بأمرين أساسيين. أولا، قمنا بتحسين المؤسسات الموجودة (عن طريق عمليات مثل إصلاح الاستخبارات وتأسيس وزارة الأمن الوطني، وتوفير قدرة إضافية على خوض الحرب “غير النظامية” ـ أي غير التقليدية ـ ضمن وزارة الدفاع). ثانيا، بدأنا بالعمل على التوصل إلى نماذج جديدة لتناسب الواقع الجديد. وفي حين أن هذه النماذج لم تنبثق كلياً بعد، إلا أن بعضها ـ كفكرة التعامل مع النزاع كمشكلة مقاومة تمرد واسع النطاق جدا، تقتضي استجابات غير عسكرية أساسا، مقرونة بتدابير لحماية السكان المعرضين لخطر الوقوع تحت تأثير العدو ـ قد بدأ يحقق فعاليته.

إلا أن صناع القرار في هذه الأيام، من منظور ما، يشبهون قليلا “جنرالات القصور” في الحرب العالمية الأولى ـ يواجهون شكلا من أشكال النزاع يلغي الحكمة المتوارثة، تماما كما واجه الجنرالات “لغز الخنادق” في 1914ـ1918. فنحن نواجه، مثلهم، بيئة صراع تغيرت جذرياً بفعل أوضاع تكنولوجية واجتماعية جديدة، ليست المنظمات والمفاهيم الموجودة ملائمة لها. ولدينا مثلهم “أعمال التفافية”، ولكننا لم نخرج بعد بمفاهيم وتكنولوجيات ومنظمات اختراقية ـ تماثل الحرب الخاطفة في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي – من شأنها أن تحل لغز هذه البيئة الخطرة الجديدة.

ولا يوجد حل سهل (لو كان موجودا لكنا عثرنا عليه الآن)، ولكن من الممكن اقتراح طريق التقدم إلى الأمام. وهي تتضمن ثلاث خطوات متعلقة بالمفاهيم لوضع نماذج جديدة، وفي نفس الوقت، خطوتين تنظيميتين لخلق قدرة على خوض هذا النوع من النزاعات. وليس من المقصود أن يكون ذلك قاعدة محددة لما ينبغي استخدامه، بل مجرد نهج محتمل. والأفكار المقدمة ليست مبتكرة بشكل خاص، بل إن هذا الاقتراح يجمّع أفكارا موجودة ويدمجها في نهج سياسي.

طوّر معجماً جديدا: أشار البروفسور مايكل فلاهوس إلى أن اللغة التي نستخدمها لوصف التهديدات الجديدة تعرقل بفعالية التفكير الخلاق. وتعتمد تعابيرنا على صيغ سلبية، تقول إن البيئة ليست هذا أو ذاك، بدل أن تصف ماهيتها. ومن هذه التعابير كلمات وصفية مثل “غير تقليدية” و”ليست دولة” و”غير مألوفة” و”غير نظامية.” ولا شك في أن المصطلحات تؤثر في قدرتنا على التفكير بوضوح. ولعل أحد أسباب تعامل المخططين في العراق مع “العمليات القتالية الرئيسية” في العراق (المرحلة الثالثة) كمرحلة حاسمة، دون أن يدركوا أن مرحلة ما بعد النزاع في هذه الحالة ستكون حاسمة الأهمية، هو أن المرحلة الثالثة اعتبرت حاسمة في التسمية التي أُطلقت عليها. فاسمها الرسمي الكامل هو “المرحلة الثالثة ـ العمليات الحاسمة”. وللتفكير بوضوح في التهديدات الجديدة، نحتاج إلى معجم جديد يستند إلى الخصائص الفعلية الملاحظة للأعداء الحقيقيين الذين:

ـ يدمجون بين الإرهاب والتخريب والعمل الإنساني والتمرد لدعم الدعاية الرامية إلى التأثير على مدركات الجماهير المحلية والعالمية.

ـ يجمّعون تأثير عدد كبير من اللاعبين على المستوى الشعبي، المبعثرين عبر دول عديدة، في حركة جماهيرية أكبر من مجموع أجزائها، ذات قيادة ووظائف تخطيطية موزعة تحرمنا من أهداف يمكن اكتشافها.

ـ يستغلون سرعة وانتشار وسائل الاتصال الحديثة لتعبئة مؤيديهم وأنصارهم، بسرعة أكبر بكثير مما تستطيع الحكومات حاشدة.

ـ يستغلون أنظمة معتقدات عميقة الجذور في أسس الهوية الدينية والإثنية والقبلية والثقافية، لإيجاد ردود فعل فتاكة جداً وغير عقلانية بين المجموعات الاجتماعية.

ـ يستغلون الملاذات الآمنة كالمناطق غير المحكومة أو غير المحكومة بشكل كاف (في المساحة الجغرافية أو الفضاء السبرياني أو الافتراضي المعلوماتي)، والمناطق العمياء العقائدية والدينية والثقافية في إدراك المرء التي تعجزه عن الإدراك والتمييز، أو المنافذ القانونية.

ـ يستخدمون هجمات رمزية بارزة مصحوبة بدعاية كبيرة تجتذب الأضواء وتثير الدول دافعة إياها إلى ردود الفعل المبالغ فيها التي تلحق الضرر بمصالحها في المدى البعيد.

ـ يطلقون العديد من التحديات الصغيرة قليلة الكلفة وضيقة النطاق لاستنزاف طاقتنا من خلال الدفع إلى بذل جهود احتواء ومنع وردود باهظة التكاليف في العشرات من المناطق النائية.

قد تولد هذه الملامح التي تتسم بها البيئة الجديدة معجماً لوصف التهديد بشكل أفضل. وبما أن التهديدات الجديدة ليست من دول، يتعين أن لا يكون أساس نهجنا هو العلاقات الدولية (دراسة كيفية تفاعل الدول في أطر نخبوية في الدول)، بل الأنثروبولوجيا أو علم الإنسان (دراسة الأدوار الاجتماعية والجماعات والمكانة الاجتماعية والمؤسسات والعلاقات بين أفراد المجموعات السكانية البشرية ضمن أطر غير نخبوية وليست خاصة بدول).

2ـ ضع استراتيجية كلّية صائبة: إذا كانت هذه المجابهة تستند إلى اتجاهات موجودة منذ زمن طويل فهذا يعني أن الصراع قد يكون صراعا طويلا يستغرق جيلاً أو عدة أجيال. وهذا يعني أننا نحتاج إلى “نظرة طويلة” و”نظرة عريضة” تأخذان بالاعتبار أفضل الطرق لنسج جميع خيوط القوة القومية معاً، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع الأوسع. وبالتالي، نحتاج إلى استراتيجية كلية شاملة يمكن للشعب الأميركي والحكومات الأميركية المتعاقبة وحلفائنا الرئيسيين وشركائنا حول العالم، دعمها والمحافظة على استمرارها. وتشتمل صياغة مثل هذه الاستراتيجية الكلية الشاملة على اتخاذ أربعة قرارات حاسمة الأهمية:

ـ اتخاذ قرار حول ما إذا كانت مصالحنا ستخدم على أفضل وجه من خلال التدخل ومحاولة تخفيف عملية الاضطراب السياسي والديني في العالم الإسلامي، أو بالسعي عوضا عن ذلك إلى احتواء أي انتقال للعنف أو الاضطراب إلى المجتمعات الغربية. وهذا الخيار شبيه بالخيار بين “الدحر” و”الاحتواء” خلال الحرب الباردة وهو عامل أساسي في صياغة رد طويل الأمد.

ـ اتخاذ قرار حول كيفية توزيع الموارد بين العناصر العسكرية وغير العسكرية للقوة القومية. إن إنفاقنا وجهودنا الحالية عسكريان في معظمهما. بالمقابل، يوحي أسلوب “مقاومة عالمية للتمرد” بضرورة تخصيص حوالي 80 بالمائة من الجهود للنشاط السياسي والدبلوماسي والتنموي والاستخباراتي والإعلامي، وحوالي 20 بالمائة للنشاط العسكري. وسيتوقف تقرير ما إذا كان ذلك ملائما على قرارنا المتعلق بالتدخل أو الاحتواء.

ـ اتخاذ قرار حول حجم ما سينفق (في الموارد والأرواح) على هذه المشكلة. وسيتطلب ذلك حكما على المخاطر يأخذ بالاعتبار احتمال وعواقب وقوع هجمات إرهابية في المستقبل. كما يتعين أن يأخذ هذا القرار بعين الاعتبار حجم ما يمكن إنفاقه على الأمن دون فرض عبء تكلفة لا يمكن لمجتمعاتنا تحمل استمراره.

ـ اتخاذ قرار حول وضع أولويات الجهود جغرافيا. ويذهب معظم الجهود في الوقت الحاضر إلى العراق، وجزء أقل بكثير إلى أفغانستان، وأقل من ذلك لجميع المناطق الأخرى. ويعود سبب ذلك جزئيا إلى أن إنفاقنا عسكري في أغلبه وإلى أننا قررنا التدخل في قلب العالم الإسلامي. وقد تؤدي خيارات مختلفة نتوصل إليها حول الجهود العسكرية/ غير العسكرية والتدخل/ الاحتواء إلى أولويات إقليمية مختلفة كثيراً مع مرور الوقت.

ومن الواضح أن الخصائص المحددة لاستراتيجية أي حكومة ستختلف باختلاف الوضع المتطور، بل إن مثل هذه المرونة في التحرك حاسمة. إلا أن تحقيق إجماع قابل للاستمرار، على الصعيدين القومي والعالمي، حول القرارات الأربعة المذكورة أعلاه، سيوفر أساسا طويل الأمد للسياسة عبر الحكومات المتعاقبة.

3ـ عالج عدم التوازن في القدرات الحكومية: تشكل ميزانية الدفاع الأميركية في الوقت الحاضر قرابة نصف مجمل إنفاق الدفاع العالمي، فيما يبلغ تعداد العناصر النظامية في القوات المسلحة الأميركية حوالي 1.68 مليونا. في مقابل ذلك، توظف وزارة الخارجية الأميركية حوالي 6.000 موظف في السلك الخارجي، فيما توظف الوكالة الأميركية للتنمية الدولية حوالي 2.000 موظف. وبعبارة أخرى، إن حجم وزارة الدفاع الأميركية يزيد حوالي 210 مرات على حجم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية الأميركية مجتمعتين ـ يفوق عدد الموسيقيين الذين يعملون في الفرق الموسيقية التابعة لوزارة الدفاع عدد أعضاء السلك الدبلوماسي بأكمله بكثير.

وليس المقصود بذلك انتقاد وزارة الدفاع ـ فالقوات المسلحة تتطلب كثافة في اليد العاملة ورأس المال (أي تحتاج إلى قدر كبير منهما) وهي دائما أكبر حجما من الوكالات الدبلوماسية ووكالات تقديم المساعدات. ولكن نظراً لأهمية التنمية والدبلوماسية والإعلام (ألغيت وكالة الإعلام الأميركية في العام 1999، وتشمل الأرقام المتعلقة بوزارة الخارجية المكتب الذي خلفها) في هذا النوع من أنواع النزاع، فإن هناك عدم توازن واضحاً بين عناصر القدرات العسكرية وغير العسكرية. وهذا يشوّه السياسة ويعتبر غير معتاد قياساً على المعايير العالمية. فعلى سبيل المثال، يبلغ حجم القوات العسكرية الأسترالية نحو تسعة أضعاف حجم الوكالات الأسترالية المختصة بالدبلوماسية وتقديم المساعدات مجتمعة. أي أن الذراع العسكرية أكبر، ولكنها ليست أكبر بـ 210 أضعاف من العناصر الأخرى المشكلة للقوة القومية.

ومما يحسب لوزارة الدفاع أنها تدرك المشاكل المتأصلة في مثل عدم التوازن هذا، وقد ذكرت ذلك في المراجعة الدورية التي تتم كل أربع سنوات للسياسات الدفاعية في العام 2006. ولدى حكومة الرئيس بوش برامج جارية حالياً لزيادة القدرة غير العسكرية. ولكننا نحتاج، للنجاح على المدى الطويل، إلى التزام مستمر بتعزيز العناصر غير العسكرية للقوة القومية. وما يعرف بالقوة الناعمة، كقوة القطاع الخاص الاقتصادية والسمعة القومية والثقة الثقافية، بالغة الأهمية لأن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها التعويض عن فقدانها.

ستتطلب هذه الخطوات الفكرية الثلاث بعض الوقت (وهذا، بالمناسبة، سبب جيد للشروع فيها). ولكن في غضون ذلك، هناك خطوتان تنظيميتان قد تمهدان الطريق لذلك:

4ـ حدّد “وكالات الخدمات الاستراتيجية” الجديدة: ألقي دور رئيسي في الحرب على الإرهاب على عاتق قوات العمليات الخاصة بسبب قدرتها على القيام بعمليات مباشرة ضد الأهداف الواقعة في مناطق نائية أو ممنوعة. وفي غضون ذلك، جادل ماكس بوت بأننا نحتاج مرة أخرى إلى شيء ما يشبه مكتب الخدمات الإستراتيجية خلال الحرب العالمية الثانية، والذي كان يمتلك قدرات في مجالات التحليل والمخابرات وعلم الإنسان والعمليات الخاصة والإعلام والعمليات النفسية والتكنولوجيا.

النعوت مهمة: قوات خاصة مقابل خدمات استراتيجية. قوات العمليات الخاصة ذات أهمية خاصة. وتحدد بالمقارنة الداخلية مع بقية القوات المسلحة ـ قوات العمليات الخاصة تتولى مهمات “تتجاوز قدرات” القوات المستخدمة للأغراض العامة. في المقابل، كان مكتب الخدمات الإستراتيجية إستراتيجيا. وكان يتم تحديد ماهيته بمقارنته مع بيئة خارجية وتولى مهمات ذات أهمية إستراتيجية، وكان يحصل ويتخلى بسرعة عن القدرات، حسبما تقتضي الحاجة. وقوات العمليات الخاصة تكاد تكون كلها عسكرية، بينما كان مكتب الخدمات الإستراتيجية كيانا مؤلفا من موظفين من عدة وكالات ويشتمل على عنصر مدني كبير، وكان جميع العسكريين العاملين فيه تقريباً من المتطوعين للخدمة في الحرب لحاجة طارئة (مدنيون موهوبون يملكون مهارات ذات بعد إستراتيجي، تطوعوا فترة الحرب). وتعيد قوات العمليات الخاصة جذورها إلى مكتب الخدمات الإستراتيجية، ولكن في حين أن قوات العمليات الخاصة في هذه الأيام قوات نخبة عسكرية تملك قدرات بالغة التخصص جعلت على أكثر ما يمكن أن تكون عليه فعالية لسبع مهمات معتادة متعارف عليها، كان مكتب الخدمات الإستراتيجية منظمة مدنية ـ عسكرية مختلطة تولت أي مهمة تطلبّها الوضع، وشكلت قدراتها حسب الحاجة.

وسيكون تحديد القدرات التي تشكل خدمات إستراتيجية في هذه الأيام خطوة رئيسية في وضع أولويات الجهود المشتركة بين الوكالات المختلفة. وتشمل قدرات التعامل مع التهديدات المنبثقة عن القاعدة الشعبية لا عن النخبة، معلومات استخباراتية عن الثقافة والتراث العرقي، وتحليل الأنظمة الاجتماعية، والعمليات الإعلامية (أنظر أدناه)، وفرق الحوكمة والشؤون الإنسانية المختصة بالدخول المبكر والتهديد شديد الخطورة، وفرق المفاوضات الميدانية والوساطة، والاستطلاع بواسطة تقنية البيانات البيولوجية للتعرف على الهوية، وطائفة منوعة من القدرات الأخرى ذات الصلة الإستراتيجية. وتتغير أهمية هذه القدرات وصلتها بالوضع مع مرور الوقت ـ فبعضها مما له أهمية وصلة وثيقة بالوضع الآن لن يعود كذلك، في حين أن البعض سينشأ. والمفتاح هو إيجاد قدرة تسهم فيها وتستخدمها الوكالات المختلفة للحصول بسرعة على التقنية والتكنولوجيا واستخدامها في وضع سريع التغير.

5ـ قم بتطوير قدرة في مجال الحرب الإعلامية الإستراتيجية: تتمتع القاعدة بمهارة كبيرة في استغلال أعمال متعددة ومنوعة يقوم بها أفراد وجماعات، من خلال وضعها في إطار سردي دعائي للتأثير على عواطف الجماهير المحلية والعالمية. ولدى تنظيم القاعدة شبكة تجمع المعلومات حول النقاش الدائر في الغرب وترفعه، مع تقويم لفعالية حملة التنظيم الدعائية إلى زعمائها. ويستخدم التنظيم العمليات الفعلية (التفجيرات ونشاطات التمرد وقطع الرؤوس) كمادة داعمة لحملة “دعاية مسلحة” متكاملة. والجانب “الإعلامي” في عمليات القاعدة هو الأساسي. أما الفعلي فهو مجرد أداة لتحقيق نتيجة دعائية. وتتبنى طالبان وجي إس بي سي (التي كانت تعرف سابقا بالجماعة السلفية للوعظ والقتال، ولكنها تعرف الآن بالقاعدة في المغرب الإسلامي) وبعض الجماعات المتحالفة مع القاعدة، علاوة على حزب الله، أساليب مماثلة.

قارن هذا بأسلوبنا: إننا نصمم عادة العمليات الفعلية أولا، ثم نصوغ العمليات الإعلامية الداعمة لتوضيح ما قمنا به. وهذا هو عكس أسلوب تنظيم القاعدة. ورغم كل احترافيتنا، فإن إعلامنا، مقارنة بإعلام العدو، هو مجرد لاحقة تخطر ببالنا بعد الحدث. وبعبارة تستخدم المصطلحات العسكرية، فإن “الجهد الرئيسي” بالنسبة للقاعدة هو الإعلام. أما بالنسبة لنا فإن الإعلام “جهد مساند”. وكما أشير من قبل، هناك 1.68 مليون شخص في القوات المسلحة الأميركية، وما يفعلونه يتحدث بصوت أعلى مما يقوله محترفو الإعلام (الذين يعدّون بالمئات). وبالتالي فإننا نحتاج، إن أردنا محاربة دعاية المتطرفين، إلى قدرة لشن حرب إعلامية إستراتيجية ـ وظيفة موحّدة تجمع بين جميع عناصر ما نقوله ونفعله لإرسال رسائل إستراتيجية تدعم سياستنا الكلية.

ولدى المؤسسة العسكرية الأميركية حالياً مبادئ أساسية توجه عمليات إعلامية متطورة، إلا أن الوكالات الأخرى لا تملك ذلك، وهي محقة في الكثير من الأحيان في التزام الحذر إزاء الأساليب العسكرية. وإضفاء صبغة عسكرية على العمليات الإعلامية سيكون غلطة فادحة من شأنها أن تخلط بين الجزء (العمليات العسكرية) والكل (الإستراتيجية القومية الأميركية) وبالتالي تقوض سياستنا الكلية. ويحدّ الافتقار إلى مبادئ أساسية توجه نشاطات الحكومة ككل في هذا المجال وإلى القدرة على مقاومة حرب إعلامية إستراتيجية من فعاليتنا ويخلق تنافرا في الرسالة الموجهة، حيث ترسل عناصر مختلفة في الحكومة الأميركية رسائل مختلفة أو تعمل حسب أجندة إعلامية مختلفة.

إننا بحاجة إلى مجهود مشترك بين الوكالات، توجهه قيادة من أعلى القمة في السلطتين التنفيذية والتشريعية في الحكومة، لخلق قدرات ومنظمات ومبادئ أساسية موجهة لحملة إعلامية إستراتيجية على المستوى القومي. ولعل تطوير مثل هذه القدرة هو أهم التحديات الكثيرة التي تواجهها قدراتنا في هذا العصر الجديد من الصراعات المدفوعة إعلاميا.

استنتاجات غير نهائية

هذه الأفكار ـ معجم جديد وإستراتيجية كلية وقدرة متوازنة وخدمات إستراتيجية وحرب إعلامية إستراتيجية ـ هي مجرد أفكار تأملية تشير إلى ما قد ينبثق عن مجهود شامل لإيجاد نماذج جديدة تحتذى لهذا العصر الجديد من الصراع. وقد تنبثق أفكار مختلفة عن مثل هذا المجهود، وفي أي حال، فإن التغيرات السريعة في البيئة بسبب تكيف العدو ستتطلب ابتكارا متواصلا. إلا أن الواضح بمثل وضوح الشمس هو أنه لم يعد بإمكان نماذجنا التقليدية للحرب الصناعية بين الدول، والدبلوماسية المستندة إلى النخب، والاستخبارات المركزة على الدول، تفسير البيئة أو توفير المفاتيح المفاهيمية للتغلب على تهديدات هذه الأيام.

وهناك تشابه جزئي بين الحرب الباردة وصراعات هذه الأيام: هناك اختلافات كثيرة بين تهديدات اليوم وتهديدات حقبة الحرب الباردة. ومع ذلك، فمن حيث بعد واحد على الأقل، هو الفترة الزمنية، قد تعني الاتجاهات الدائمة التي تدفع المجابهة الراهنة أن الصراع سيكون مشابهاً بالفعل للحرب الباردة، التي دامت بشكل أو بآخر على امتداد الـ 75 عاما بين الثورة الروسية في العام 1917 وانهيار الاتحاد السوفييتي في شهر كانون الأول/ ديسمبر 1991. وكثير من عواقبها ـ خاصة “النزاعات الموروثة” الناجمة عن الحرب السوفييتية ـ الأفغانية ـ ما زال موجوداً اليوم. ونحن الآن، حتى إذا دامت هذه المجابهة نصف مدة الحرب الباردة، في بداية طريق طويل جدا بالفعل، سواء شئنا الاعتراف بذلك أم أبينا.

وربما كانت التهديدات الجديدة، التي تبطل الحكمة المتوارثة حول عدد كبير من القضايا، تشير إلى أننا على حافة عصر جديد من الصراعات. وربما اتضح أن التوصل إلى أفكار جديدة اختراقية لفهم وهزيمة هذه التهديدات هو أهم التحديات التي نواجهها.

………………

يفيد جي. كيلكلين

هو ضابط سابق برتبة لوتينانت كولونيل في الجيش الأسترالي، وشغل منصب كبير مستشاري الجنرال قائد القوة متعددة الجنسيات ـ العراق لشؤون مكافحة التمرد. وشغل أيضاً منصب كبير مخططي الاستراتيجيات في مكتب منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية ومنصب مستشار خاص لوزارة الدفاع الأميركية لشؤون الحرب غير النظامية ومقاومة الإرهاب في المراجعة الدورية التي تتم كل أربع سنوات للسياسات الدفاعية (Quadrennial Defense Review). وهو يساهم بانتظام في المدونة الإلكترونية مجلة الحروب الصغيرة (Small War Journal Blog). ويعكس هذا المقال، كمقالاته الإلكترونية، آراءه الشخصية فقط.

ديفيد جي. كيلكلين

موقع الجديدة

2012-10-30

جميع حقوق النشر محفوظة باسم – دار بابل للدراسات والاعلام ©

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s