مراكز التفكير أو بنوك التفكير Think Tanks

 

2012 نشر فى 9 أغسطس
a61c745f13f02a7113c77fb4a50b78b6-portrait-e1374407891449

تترجم عبارة  think – tanks إلى اللغة العربية بصور مختلفة، فهناك من يترجمها إلى (مراكز التفكير) وهناك من يترجمها إلى(بنوك التفكير أو الفكر) ، ولكن في الغالب يستخدم تعبير (مراكز الأبحاث والدراسات) للإشارة إلى  think – tanks ، وذلك لأن معظم المؤسسات أو المراكز التي تقع تحت القطاع المذكور لا تعرف نفسها في وثائق تعريف الهوية الذاتية.

 وحتى باللغة الانكليزية، ولغاية الأربعينيات من القرن العشرين فان أغلبية think – tanks عرفت باسم المؤسسات أو مراكز الدراسات والأبحاث، ولكن أثناء الحرب العالمية الثانية استخدمت عبارةbrain boxes ) ) أو (صناديق الدماغ أو المخ) باللغة العامية في الولايات المتحدة للإشارة إلى think – tanks وفي زمن الحرب استخدم مصطلح (brain boxes) باللغة العامية الأمريكية للإشارة إلى (الغرف التي ناقش فيها الاستراتيجيون التخطيط الحربي).

  ويرجع أول استخدام مدون لعبارة think – tanks  إلى السبعينيات، إذ تمّ استخدم هذه العبارة بشكل عام للإشارة إلى مؤسسة راند وإلى المجموعات الأخرى التي ساعدت القوات المسلحة.

في الوقت الراهن تستخدم العبارة  بدرجة كبيرة للإشارة إلى مؤسسات إعطاء النصح، وبذلك فإن عبارات (مراكز الأبحاث والدراسات أو صناديق الفكر أو مراكز التفكير) تشير إلى شيء واحد معروف باللغة الانكليزية بـ think- tanks.

وقد نستخدمها كلها بدون تمييز ، لأنه في الأدبيات المكتوبة والمتعلقة بهذه المؤسسات يتم ذكرها بأسماء مختلفة، ذلك أن هذه المؤسسات تتواجد بأسماء وتعريفات مختلفة، ففي بعض الأحيان تطلق على نفسها اسم (مؤسسة foundation) أو (معهد institute) أو (الصندوق fund) أو (الوقف endowment) ولكن في النهاية  تقع كل هذه المنظمات تحت قطاع واحد في الساحة السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة، وهو قطاع ذو نفوذ ويتمتع بدور  أساس في عملية صنع القرار بواشنطن .

 

تعريف مراكز التفكير:

لا يوجد تعريف عام وشامل (جامع ومانع) حتى الآن لهذه المؤسسات. وتكمن صعوبة إيجاد تعريف كهذا ـ كما قلنا سابقاً ـ إلى أن معظم المؤسسات والمراكز التي تقع في قطاع مراكز التفكير، لا تعرب عن نفسها كثينك تانكس في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية                           (non profit organization)، وهذا بالذات يعد أحد التعريفات التنظيمية المعترف بها في القانون الأمريكي .

 ولكن على الرغم من هذه الإشكالية بخصوص هوية هذه المراكز هناك عدة تعريفات لها نحاول أن نعرض بعضاً منها. فتعرفها الموسوعة المجانية المعروفة بـ            (wikipedia- Free Encyclopedia ) بأنها (أيّة منظمة أو مؤسّسة تدّعي بأنها مركز للأبحاث والدراسات أو كمركز للتحليلات حول المسائل العامة والمهمة)، ويعرفها بعض الكتاب بأنها (أية منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص)، وفي تعريف آخر تعّد مراكز التفكير : (تلك الجماعات أو المعاهد المنظمة بهدف إجراء بحوث مركزة ومكثفة وتقديم الحلول والمقترحات للمشكلات بصورة عامة، وخاصة في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والاستراتيجية أو ما يتعلق بالتسلح).

إذن، نلاحظ بأنه لا يوجد اختلاف أو تباين كبير بين كل هذه التعريفات حول الثينك تانكس، وإنما كلها تشترك في أن الثينك تانكس عبارة عن منظمة أو مؤسسة أو معهد أو جماعة أو مركز مخصّص للقيام بالأبحاث والدراسات في مجالات معينة أو حول العديد من القضايا المتنوعة، سواء بهدف نشر الثقافة والمعرفة العامة أو خدمة أحد الأطراف الرسمية (حكومية) أو غير الرسمية (المجتمع بصورة عامة)، وتقديم المقترحات والحلول لمشكلات معينة، بحيث أصبحت تلك المراكز واحدة من المرتكزات الأساسية لإنتاج المعرفة والتفكير العام في الدولة من خلال النشاطات العلمية التي تقوم بها، من الأبحاث والمؤتمرات والإصدارات الدورية والكتب والمنشورات التي تنشرها، إلى درجة أصبحت مهمة مراكز التفكير ليست فقط تقديم دراسات أكاديمية تحليلية نقدية ولكن تناول أية مشكلة بصورة مباشرة وإعطاء المختصين وصانعي القرار في الدولة أو في القطاع الخاص بدائل يمكن أن يختاروا أفضلها، أو قد تقدم بديلاً واحداً لابد من الاعتماد عليه في مواجهة التطورات والأحداث المتسارعة .

 

ما الذي تقدمه مراكز التفكير:

         على الرغم من تنوع وتعدد الخدمات التي تقدمها مراكز التفكير حسب تنوع وتخصص هذه المراكز، إلا أننا نستطيع أن نجمع الخدمات في النقاط التالية :

ـ تقويم السياسات السابقة، ووضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم.

ـ تحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء على حد سواء، فيما يتعلق بمصالح أمريكا ومكانتها  الدولية خاصةً.

ـ طرح الأفكار والآراء الجديدة، واقتراح السياسات البديلة، خلال المدة التي تسبق مباشرة انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى ، أو بعد حدوث حوادث كبرى أو بروز ظواهر جديدة أو مستجدات ( مثل 11 سبتمبر، وقضايا الإرهاب)، وذلك كي تكون تلك الأفكار والمقترحات تحت تصرف صانعي القرار السياسي الجدد، ومن الأمثلة على ذلك قيام كل من معهد بروكينغز ومعهد دراسات الشرق الأوسط بنشر دراستين عن أزمة الشرق الأوسط خلال السنة الأخيرة لفترة رونالد ريغان الثانية تحت عنوان (نحو سلام عربي- إسرائيلي) والثانية كانت بعنوان (مصالح الغرب وخيارات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط) فبراير /1988 ، ومن الجدير بالذكر، أنّ ستة من الأشخاص الذين شاركوا في هذه الدراسات دخلوا الحكومة في عهد الرئيس بوش الأب في مراكز حساسة، أهمهم كان( لورانس إيغلبرغر نائب وزير الخارجية، و دينيس روس رئيس  قسم التخطيط السياسي في الخارجية، وريتشارد هاس مدير قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي).

ـ تزويد الإدارات المتتابعة والأجهزة المختلفة بالخبراء.

ـ تقديم المشورة والنصح لأجهزة مؤسسات الدولة أحيانا بناءً على طلب تلك الأجهزة.

ـ تدريب جيل جديد من القيادات الفكرية والسياسية ليكون جاهزاً لتسلم الإدارات السياسية العامة للدولة.

ـ التأثير في الرأي العام وفي صانع السياسة والقرار السياسي من خلال عقد الندوات والمؤتمرات ونشر الكتب والدراسات، و إصدار النشرات والمجلات ونشر التقارير وإعداد البرامج الإذاعية والتلفزيونية وتقديم التحليلات، لتبرير سياسات معينة أو نقدها أو لترويج أفكار جديدة وتعميمها، وبذلك تتعزز المكانة الأدبية لمراكز التفكير والمفكرين.

ـ إمداد وسائل الإعلام وبرامجها بالخبراء والمحللين القادرين على تحليل الأحداث والتنبؤ بها، خاصة في أوقات الأزمات .

ـ القيام أحياناً بإجراء الاتصالات السرّية مع جهات أجنبية لحساب الحكومة الأمريكية ومحاولة جس النبض قبل طرح بعض المبادرات السياسية.

ـ بلورة مواقف ومصالح الأمة المشتركة، وتجسيد ذاكرتها الجماعية، وتنمية قدرتها التراكمية في مجالات الفكر والسياسة والإعلام.

 هذه الخدمات وغيرها تقوم بها مراكز التفكير الخاصة والمهتمة بقضايا السياسة بصورة عامة, ولكن هناك مراكز أخرى ذات اختصاصات مختلفة (كالصحة، والنشاطات الاجتماعية، والتعليم، … الخ )، وغيرها من المجالات المتنوعة.

لمحة تاريخية حول مؤسسات التفكير الأمريكية :

من المهم أن نتذكر، عندما ندوّن تاريخ مؤسسات الفكر والرأي الأمريكية، وعلى الأخص تلك المعنيّة بدراسة السياسة الخارجية، التنوع الهائل للمجتمع الذي يضم هذه المؤسسات. ومن الضروري أيضاً أن ندرك، أنه في حين نجد لدى مؤسسات الفكر والرأي رغبة مشتركة في صوغ الرأي العام والتأثير في تفضيلات وخيارات صانعي القرار، فإن كيفية سعيها إلى ممارسة تأثيرها في السياسة تتوقف على رسالتها، ومواردها، وأولوياتها.

الجيل الأول: مؤسسات الفكر والرأي كمؤسسات أبحاث حول السياسة

بدأت الموجة الرئيسة الأولى لمؤسسات الفكر والرأي المتعلقة بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة بالظهور في بداية القرن الماضي، وإلى حدّ كبير، نتيجة لرغبة كبار الممولين والمثقفين في خلق مؤسسات يجتمع فيها الباحثون والقادة من القطاعين العام والخاص، لمناقشة القضايا العالمية والتداول بشأنها. بدأت ثلاث مؤسسات بشكل خاص بإثبات وجودها خلال العقود الأولى من القرن العشرين هي: مؤسسة “كارنيجي الخيرية للسلام العالمي” (1910)، والتي أنشأها قطب صناعة الفولاذ كارنيجي في مدينة بيتسبيرغ، ومؤسسة “هوفر” حول الحرب والثورة، والسلام (1919)، والتي أنشأها الرئيس الراحل هربرت هوفر، و”مجلس العلاقات الخارجية” (1921)، وهو مؤسسة تطورت من نادي عشاء شهري لتصبح إحدى أكثر مؤسسات السياسة الخارجية التي تحظى بالاحترام في العالم. وبدأت في ما بعد مؤسستا فكر ورأي أخريان هما، “معهد الأبحاث الحكومية” (1916)، الذي اندمج لاحقاً مع مؤسستين أخريين لإنشاء “مؤسسة بروكينغز” (1927)، وهذه الأخيرة تعتبر أيقونة في واشنطن، ثم “معهد المشروع الأمريكي لأبحاث السياسة العامة” (1943)، وهو مؤسسة فكر ورأي محافظة تحظى بأهمية كبيرة، ركزت بمرور الزمن اهتماماً كبيراً على تشكيلة واسعة من القضايا الخارجية.

مؤسسات الفكر والرأي هذه وغيرها، التي أنشئت خلال العقود الأولى من القرن العشرين، كانت ملتزمة تطبيق خبراتها العلمية على حشد من القضايا السياسية. وكما يقول كنت ويفر، الباحث في مؤسسة بروكغنز، فإن هذه المؤسسات أمثال مؤسسة كارنيجي الخيرية وبروكينغز، تعمل “كما لو كانت جامعات بلا طلبة” وتعطي أعلى الأولوية لإنتاج أبحاث أكاديمية من نوعية عالية. فهي تصدر الكتب، والمجلات، والمواد الأخرى التي تستهدف أنواعاً مختلفة من القراء. وعلى الرغم من أن الباحثين في هذه المؤسسات قد قدموا، في بداية عهدها، وفي بعض الأحيان، المشورة لصانعي السياسة، غير أن الهدف الأول لم يكن التأثير المباشر على القرارات السياسية، بل مساعدة وإعلام صانعي السياسة والجمهور بخصوص العواقب المحتملة لاتباع مجموعة من الخيارات في السياسة الخارجية. لقد نشأت جزئياً رغبة مؤسسات الفكر والرأي المتوجهة نحو الأبحاث السياسية في البقاء بعيداً عن العملية السياسية انطلاقاً من التزامها الاحتفاظ باستقلاليتها الفكرية والمؤسساتية، وهو أمر كانت العديد من المؤسسات المعاصرة على استعداد للتضحية به.

الجيل الثاني: ظهور المتعاقدين مع الحكومة

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت الحاجة إلى النصائح المستقلة حول السياسة الخارجية أكثر إلحاحاً بالنسبة لصانعي السياسة الأمريكية. أصبح صانعو السياسة في واشنطن، الذين واجهتهم مسؤوليات متزايدة بسبب تحوّل البلاد إلى دولة عظمى مسيطرة في عالم ثنائي القطب بحاجة إلى الآراء المتبصرة والخبرات التي توفرها مؤسسات الفكر والرأي، والتي قد تساعد في تطوير سياسة أمن قومي متماسكة ومتناسقة وسليمة. وبحلول العام 1948، وجد صانعو السياسة من يلجؤون له. في آذار/مارس 1948 تأسست مؤسسة “راند كوربوريشن” لتعزيز وحماية مصالح الولايات المتحدة الأمنية خلال العصر الذري.

إلى جانب سدّ الفراغ لدى مجتمع الأبحاث المختص بالسياسة الخارجية، فقد جاءت مؤسسة “راند” بمجموعة جديدة من مؤسسات الفكر والرأي، تلك المتعاقدة مع الحكومة، وهي مؤسسات للأبحاث السياسية مموّلة على نطاق واسع، من قبل الدوائر والوكالات الحكومية، والتي استهدفت أبحاثها معالجة مشاغل معيّنة لصانعي السياسة. وسوف تؤثر مؤسسة “راند” في السنوات التي تلت في إنشاء العديد من المؤسسات المتعاقدة مع الحكومة، ومن بينها “معهد هدسون” (1961) و”معهد أيربان” (1968).

الجيل الثالث: نشوء مؤسسات الفكر والرأي الداعية لقضايا عامة

لم تبرز أي من مؤسسات الفكر والرأي في وسائل الإعلام خلال العقود الثلاثة الأخيرة أكثر مما برزت فيها المؤسسات المسماة مؤسسات الفكر والرأي الداعية لقضايا عامة. إن اعتماد هذه المؤسسات لأسلوب الجمع بين الأبحاث السياسية وتقنيات التسويق الجريئة، وهي وظيفة يشاركها فيها العديد من مجموعات المصالح، غيّرت بشكل أساسي طبيعة ودور مجتمع مؤسسات الفكر والرأي عامةً. وخلافاً لمؤسسات الفكر التي قامت في الجزء الأول من القرن العشرين، التي كانت تمانع الانخراط في المناقشات السياسية، فقد رحّبت مؤسسات الفكر والرأي الداعية لقضايا عامة، من ضمنها “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (1962)، و”مؤسسة هيريتيج” (1973) و”معهد كاتو” (1977) بالفرص السانحة للتأثير على كل من اتجاه ومضمون السياسة الخارجية. ومع ازدياد قدرات قطاع مؤسسات الفكر والرأي الأمريكية على المنافسة، توصلت معظم مؤسسات الفكر والرأي إلى إدراك أهمية جذب انتباه عامة الناس وأذهان صانعي السياسة.

الجيل الرابع: مؤسسات الفكر والرأي الميراثية

أحدث نوع من مؤسسات الفكر والرأي الذي ظهر لدى مجتمع صنع السياسة الخارجية هو ما يشير إليه البعض بعبارة “المؤسسات الميراثية”، ومنها “مركز كارتر” في مدينة أطلنطا، و”مركز نيكسون للسلام والحرية” في واشنطن العاصمة، وهي مؤسسات فكر ورأي أنشأها رؤساء سابقون ينوون ترك أثر دائم لهم في السياسة الخارجية والداخلية. تنتج هذه المؤسسات تشكيلة واسعة من المطبوعات، وتنظم الحلقات الدراسية، وورش العمل، وتجري الأبحاث في عدد من الميادين السياسية.

 طبيعة تأثير مراكز التفكير على صنع السياسة(آلية التأثير) :

    ليس من السهل تحديد طبيعة التأثير والدور الذي تمارسه مراكز التفكير على عملية صناعة السياسة واتخاذ القرار في الولايات المتحدة، كما هو الحال بالنسبة للعوامل والعناصر المؤثرة في هذه العملية، وذلك لغموض وعدم وضوح هذا التأثير، أو قد يكون السبب هو الطبيعة الغامضة لعملية صناعة السياسة في الولايات المتحدة .

ولكننا نستطيع أن نقول بأن هذه المراكز أهم مصدر من مصادر المعلومات والتحليلات والفكر والمعرفة من خلال الأبحاث والدراسات التي تقوم بنشرها في الولايات المتحدة، حيث تؤثر على المجتمع والدولة بشكل عام وبصور مختلفة مباشرة وغير مباشرة.

   و مع الانتشار الواسع لوسائل الاتصال و الإعلام المتنوعة، والتعبير عن الرأي، كل ذلك أدى إلى سهولة انتشار وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات، إذ أصبحت وسائل الإعلام أدوات إيصال الفكر والآراء للمستفيدين من السياسيين والمختصين الآخرين، وبالتالي، أصبحت معاهد البحوث ومراكز التفكير مراكز إنتاج هامة لصناعة ونشر الجديد من الأفكار ومصادر رئيسة لتزويد وسائل الإعلام بالحديث من الآراء والإحصاءات والتحليلات، وبذلك أصبح التفاعل المتواصل بين مراكز التفكير والبحوث ووسائل الإعلام أهم أدوات تشكيل الرأي العام وأكثر الأطراف قدرة على مراقبة أعمال الدولة بوجه عام، ومصدر معلومات وخبرة لم يعد بالإمكان الاستغناء عنه .

 تقوم مراكز البحوث والتفكير في العادة بالمشاركة في صنع السياسة العامة للدولة من خلال (إرساء الأسس الفكرية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية للبرامج والسياسات الرئيسة).

و قد لا تمثّل مراكز التفكير رأي الأغلبية، ولكنّها تعمل بكل جهدها وتحاول باستمرار إعادة تشكيل رأي الأغلبية بما يتفق مع وجهة نظرها وفهمها الذاتي لمصالح أمريكا الوطنية ، أو ما يعدّ (مصالح وطنية) .

 وبصورة عامة يعدّ إنشاء مراكز التفكير والأبحاث، من قبل قطاعات الشعب النشطة والواعية والمثقفة(النخبة) شكلاً من أشكال المشاركة في صنع السياسة العامة للدولة بعيداً عن الأطر حكومية، وتعد مراكز التفكير من جهة أخرى، وسيلة لقيام القوى المسيطرة على المجتمع بإيصال خبرتها ووجهات نظرها لصانعي القرار السياسي من ناحية، وإلباس فلسفتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لباساً علمياً وإعطائها الشرعية والمصداقية من ناحية أخرى.

وأيضاً تعد مراكز التفكير بوجه عام بمثابة مخازن لتزويد الحكومة بالآراء الجديدة والتحليلات الأكاديمية والكفاءات المؤهلة لتسلم مهام الإدارة في الحكومة .

 من الجدير بالذكر أن كثيراً من رواد قطاع الثينك تانكس على علاقة وطيدة بالسياسيين الأمريكيين أو بالأحرى بالسياسة بصورة عامة في الولايات المتحدة، فهم إما أنفسهم صناع القرار والسياسة السابقين أو سيصبحون صناع السياسة في المستقبل. لأن تقاليد السياسة الأمريكية تحتّم قيام كل رئيس جديد بتعيين حوالي(4000) شخص في مناصب سياسية وإدارية وقضائية هامة، من بينهم (600) شخص كوزراء ومستشارين ونواب وزراء ومساعدي وزراء  وموظفين في البيت الأبيض وحوالي (1000) شخص كسفراء وقضاة وحوالي(2200) شخص كمستشارين وأعضاء في اللجان المختلفة التي يتم تشكيلها لمتابعة القضايا المختلفة والهامة .  وفي العادة تأتي غالبية هؤلاء من مراكز التفكير والأبحاث ومكاتب المحاماة الاستشارية الخاصة المتواجدة في العاصمة واشنطن، وباحتلال الطاقم الجديد للمناصب الحكومية الهامة تقوم غالبية أعضاء الطاقم القديم بشغل معظم الوظائف التي تصبح شاغرة في تلك المراكز والمكاتب وهذه العملية(التبادل للمراكز والأدوار) تستمر. في هذه الدراسة نشير إلى بعض النماذج من هذه الظاهرة ونورد بعض النماذج الأخرى، (مارتن إنديك) مدير مركز سابان لشؤون الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز عمل مساعداً لوزير الخارجية وسفيراً سابقاً في إسرائيل. و(ريتشارد هاس) الذي ترأس سابقاً قسم تخطيط  السياسات بالخارجية الأمريكية هو الرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية و(دينيس روس) أحد المستشارين الأساسيين لإدارة الرئيس بل كلينتون يعمل الآن كمدير لمعهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى، و( مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية السابقة في عهد كلينتون تعمل الآن في(NDI) الممولة من وزارة الخارجية.

 وبذلك ندرك بوضوح مدى التقارب بين الباحثين والدارسين في هذه المراكز وعمليات صناعة السياسة واتخاذ القرارات الأمريكية وصناعتها من قبل الجهة المعنية وهنا يبرز دور وأهمية هذه المراكز.

اللوبي والثينك تانكس :

طبعاً، وفي إطار الحديث عن التأثير الذي تستطيع مراكز التفكير القيام به على المستوى السياسي، من المهم ألاّ نخلط ما بين مؤسسات اللوبي ومراكز الثينك تانكس، فالمجموعة الأخيرة معظمها منظمات غير ربحية Not For Profit ، ولا تحظى بحقوق قانونية للعمل من أجل تغيير مسار السياسة الأمريكية بواسطة الضغوط أو الحملات السياسية مثلما يتاح لمنظمات اللوبي . وتوجه في نفس الوقت اتهامات حادة لمنظمات الثينك تانكس بأنها تمارس مثل هذه النشاطات بطرق خفية وأنها تستخدم هويتها غير الربحية كساتر للجهود التي تبذلها لتغيير مسار السياسة الأمريكية لطريق معين.

وتهمة الانحياز عادة ما توجه إلى معهد أو مركز معين، وتكون خلفية هذه الاتهامات ناتجة من الميول والاتجاهات الإيديولوجية الغالبة على الباحثين العاملين في هذا المركز أو ذاك. وعلى سبيل المثال، نجد أن مركزاً مثل مشروع القرن الأمريكي الجديد يحظى بسمعة الانحياز للتفكير اليميني وبشكل خاص تفكير المحافظين الجدد، حيث تعمل فيه مجموعة من صقور الفكر اليميني المحافظ مثل ريتشارد بيرل، ونيوت جينجريتش، والسفيرة السابقة كيركباتريك، هذا بالإضافة إلى نائب الرئيس ديك تشيني، لذا طغت على المعهد صفة كونه قبلة أنصار اليمين المحافظ في واشنطن. ومن ناحية أخرى، تتهم بعض مراكز الثينك تانكس بالانحياز للسياسات المفضلة للدول العربية مثل معهد الشرق الأوسط، وهناك أيضا منظمات معروفة بالانحياز لإسرائيل مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومعهد هوفر وغيرها كثير.

النفوذ داخل قطاع الثينك تانك:

وتتفاوت منظمات الثينك تانكس في قدرتها على التأثير على مسار السياسة الأمريكية، وهذه القدرة تتوقف على عدة عوامل من أهمّها : التمويل وقوة العلاقات الشخصية التي تربط المؤسسة والعاملين فيها بأهم صانعي القرار الأمريكي. ويعدّ عنصر التمويل وإمكانية الحصول على الأموال أحد معايير نجاح أي من مؤسسات الثينك تانكس، حيث يعتبر التمويل المالي تحديا أساسيا لمعظم هذه المؤسسات. ويأتي التمويل عادة إمّا من أرباح رسوم العضوية وإمّا من محصلة بيع المطبوعات التي تصدرها المنظمة. كذلك يغدق العديد من أثرياء المجتمعات السياسية بالولايات المتحدة وبعض الدول الخارجية، إلى جانب كبريات الشركات الأمريكية مثل شركات البترول وشركات صناعة وتجارة السلاح بالأموال على هذه المراكز من أجل ضمان خروج دراسات وتوصيات لصناع القرار تناسب مصالحهم .

ولعل هذه القضية من أكثر القضايا التي تواجه التعاطي الأمريكي مع الشؤون والأحداث الدولية بشكل يؤثر على النظرة إلى الشعب الأمريكي عبر العالم ، ولقد تنبّه العديد من الساسة إلى هذه النقطة وخطورتها على التجربة الأمريكية ومن بينهم الرئيس دوايت أيزنهاور الذي وجه في 17 يناير عام 1961 خطاباً إلى الشعب الأمريكي أسماه خطاب الوداع. وكان هذا آخر خطاب يلقيه كرئيس قبل أن يسلّم السلطة إلى الرئيس الجديد جون كينيدي. وقد حذر أيزنهاور في هذا الخطاب من المجمّع الصناعي – العسكري و خطورة تحالفه مع الجيش على الديمقراطية الأمريكية، ومما قاله أيزنهاور في هذا الخطاب:

” … هذا المساء جئت إليكم مودعاً ومستأذنا في الانصراف، وفي نفس الوقت فإن لدي بعض الهواجس التي أريد أن أفضي بها لكم حتى تشاركوني فيها وتحملوا أمانتها إن رأيتم صوابها….”.

“… علي أن أقول صراحة إن هناك الآن مجموعة صناعية عسكرية مالية سياسية وفكرية تمارس نفوذاً غير مسبوق في التجربة الأمريكية. ومع أننا نتفهم الظروف التي أدت لنشأة هذه المجموعة فإننا لابد أن نحذر من وصولها إلى مواقع التأثير المعنوي والسياسي والعملي على القرار الأمريكي، لأن في ذلك خطراً شديداً على المجتمع الأمريكي قبل أن يكون خطراً على غيره…”.

“…ومن سوء الحظ، أن الثورة التكنولوجية التي تتدفق نتائجها على عالمنا اليوم، تساعد أطراف هذا المجمّع الخطر، وتزيد من قدراتهم وتمكنهم من السيطرة على برامج الإدارة ومخصصات إنفاقها، خصوصاً أن قوة أموالهم توفر لهم تأثيراً فادح التكاليف على مؤسسات الفكر والعلم….”.

“علينا أن نحذّر من اكتساب نفوذ لا سابق له عبر ذلك الارتباط بين المجمع الصناعي العسكري والقوات المسلحة. علينا أن لا ندع ذلك الارتباط للمجمع الصناعي – العسكري بالقوات المسلحة يعرض حريتنا و مسيرتنا الديمقراطية للخطر”.

طبعا من خلال هذه الدراسة يمكن التعرف على حجم النفوذ الذي تتمتع به هذه القوى داخل مراكز الأبحاث ومؤسسات التفكير الأمريكية عبر التمويل الذي تقدمه فنرى مؤسسات وشركات مثل لوكهيد مارتن وشيفرون وروكفلر وفورد وسيتي غروب وأسماء مثل روبرت مردوخ وغيره تقف على رأس قائمة الممولين لهذه المراكز وبالتالي فإنها ستقدم دراسات ورؤى تخدم توجهاتهم ومصالحهم .

http://www.shatharat.net/

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s