فلسطين في المزاد العلنيّ … بقلم : زهير أندراوس

زهير أندراوس

http://www.areen.info
قسم: تحليلات سياسية
أضيف بتاريخ Nov – 10 – 2012

تحت عنوان هذه ليست ثورة، نشر باحثان أمريكيان في مجلة “نيويورك ريفيو أوف بوكس” دراسةً مستفيضةً، تناولا فيها بإسهاب أحداث (الربيع العربيّ)، وتداعياته وإرهاصاته، ومع أننّا نُحذّر أنفسنا أولاً، والقراء ثانيًا من هذه الدراسات التي تزعم أنّها علميّة صرفة، ولكنّها في نهاية المطاف تُعّد في مراكز الأبحاث الأمريكيّة، لتُساعد صنّاع القرار في واشنطن بتحديد السياسات الخارجيّة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية، وتُحاول غسل دماغ العرب، من الناحية الثانية، إلا أنّنا نرى من الأهمية بمكان اقتباس بعض الأفكار التي وردت فيها، مع التشديد على أنّها ليست مُنزلة ويجب الاطلاع عليها بصورة محدودة الضمان، إذ أنّها تدور أولاً وأخيرًا في فلك معقل الإمبرياليّة العالميّة، التي تكّن العداء لأمّة الناطقين بالضاد من محيطهم إلى خليجهم، بما في ذلك العملاء والوكلاء والمتواطئين، الذين اتخذّوا من التبعيّة لواشنطن إستراتيجيّة. يقول الباحثان: في فلسطين، الجهاد الإسلاميّ هي حماس الجديدة، تُطلق الصواريخ لإحراج حكّام غزة. أما حماس، فهي فتح الجديدة. تدعّي أنّها تنظيم مقاوم، وفي الوقت نفسه تنقضّ على كل من يتجرأ على المقاومة. في المقابل، فتح هي نسخة عن الأنظمة الاستبداديّة التي كانت تنتقدها في الماضي. كما يلفتان إلى أنّه في عهد الإسلاموية العربيّة، قد تجد إسرائيل عناد حماس المزعوم أكثر ليونةً من اعتدال فتح الظاهريّ، تخاف دولة الاحتلال من اليقظة الإسلاميّة، لكن الخطر الأقرب من هذه اليقظة قد يكون على الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة.

***
والشيء بالشيء يذكر، والتحذير الذي أوردناه عن الدراسة الأمريكيّة المذكورة أعلاه ينسحب على الدراسة التي أصدرها (معهد بيغن السادات) للدراسات الإستراتيجيّة في تل أبيب، وهو يزعم أيضًا أنّ أبحاثه مهنيّة، ولكنّه مرتبط عضويًا بالمؤسستين الأمنيّة والسياسيّة في تل أبيب، وممًا جاء فيها: هناك وجهة نظر سائدة وتتلخص في أنّه في حال قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكريّة لإيران، فإنّ حماس وحزب الله سينضمان مباشرة إلى القتال مع إيران ضدّ إسرائيل، ولكن، أضافت الدراسة قائلةً، إنّ الأوضاع في الشرق الأوسط تغيّرت، وبالتالي فإنّ مشاركة حزب الله وحماس في المجهود الحربيّ الإيرانيّ لن يكون فعالاً، كما هو متوقّع، ذلك لأنّ حزب الله يخشى من سقوط حليفة الإستراتيجيّ، النظام الحاكم في سوريّة. أمّا بالنسبة لحماس، قالت الدراسة، فإنّ العداء الذي تكنه الحركة لنظام الأسد، أجج الصراع بينها وبين إيران، وبالتالي تؤكد الدراسة على وجود سيناريوهين: تدخل حماس وحزب الله بشكل خفيف، أوْ عدم التدخل بتاتًا. علاوة على ذلك، لفتت الدراسة إلى أنّه في ما يتعلق بحماس فإنّ الخلاف بينها وبين الأسد الذي استضافها على مدار سنوات طويلة، أدّى إلى تعميق الخلاف بين حماس وسوريّة من ناحية، وبين حماس وإيران من ناحية ثانية، وبالتالي، فإنّه من غير المستبعد أنّ تتجاهل حماس طلب إيران بالمشاركة في الحرب.

***
ومن الدراسات الصهيو-أمريكيّة ننتقل إلى ما يجري على الأرض، فقد أفادت صحيفة (القدس العربيّ)، في السابع من نوفمبر الجاري، نقلاً عن صلاح البردويل، أحد قادة حماس في غزة إقراره بانخفاض مستوى العلاقات بين حماس وإيران، على خلفية الموقف من الأزمة السوريّة، مُعبّرًا عن خشيته من مخطط ينتهجه النظام السوريّ لطرد اللاجئين الفلسطينيين. وعن سبب الخلاف بين الحركة والنظام السوري، قال إنّ المشكلة لم تكن من طرف حماس، وأنّ أفعال النظام هناك هي من خلقت الأزمة، موضحًا بأنّ الحركة لم تكن تستطيع تحّمل البقاء هناك في ظل المجازر التي تمارس ضد الشعب السوريّ. وتابعت الصحيفة إنّ محافل فلسطينيّة رفيعة أبدت خشيتها من زجّ نظام الأسد بشكلٍ أكبر باللاجئين المقيمين في مخيمات سوريّة، والمقدّر عددهم بأكثر من نصف مليون لاجئ، مؤكدةً على أنّ هناك تخوفًا من إجبار نظام الأسد لهؤلاء اللاجئين بالخروج من أماكن سكناهم، وطردهم بالقوة، في مشهد يجسد عملية ترحيل قسري جديدة، مشيرةً إلى عمليات القتل اليوميّة المتزايدة التي تطال اللاجئين الفلسطينيين، ومؤكدًة على أنّ عمليات القتل هذه تتّم وفق مخطط للنظام، وليس بشكلٍ عشوائيّ، على حد تعبيرها.

***
والآن إلى محاولة ترتيب الأوراق: الملاحظ، بفتح الحاء وكسرها أيضًا، أنّ هناك قواسم مشتركة بين ما ورد في الدراستين الأمريكيّة والإسرائيليّة وبين تصرفات حركة حماس على أرض الواقع، ذلك أنّ اتهامها النظام السوريّ بأنّه سيقوم بترحيل اللاجئين الفلسطينيين، هو محاولة لزجّهم في الأحداث السوريّة لصالح المعارضة، والأدهى من ذلك، أنّ حماس لم تتورّع عن إجراء مقارنة ومقاربة بين ما فعلته العصابات الصهيونيّة الإجراميّة في النكبة المشؤومة عام 1948، وبين ما قد يقوم به النظام السوريّ، وهذه الأقوال الصادرة عن قياديّ رفيع في حماس، لا تقّل خطورة عن تنازل محمود عبّاس، رئيس كيان أوسلوستان عن حقّ العودة، فعبّاس كان وما زال وسيبقى يدفع فواتير اتفاق أوسلو، الذي أوصل الشعب الفلسطينيّ إلى الدرك الأسفل، وحماس، بدأت بتسديد فاتورة ارتمائها في أحضان دويلة قطر، التابعة للشياطين الأمريكيين، والتي تعمل بجديّةٍ بالغةٍ، مستغلةً الأموال التي تُدفع لحماس غزة، من أجل ترويض الحركة وإبعادها عن المقاومة، تماشيًا مع الخطة الأمريكيّة لشرق أوسط جديد، مع فوضى خلاقة للحفاظ على أمن دولة الاحتلال، وأيضًا منع التنظيمات الصغيرة، مثل الجهاد الإسلاميّ من دكّ جنوب إسرائيل بالصواريخ، علاوة على ذلك، هذه التصريحات الحمساوية، تُمهّد الطريق للحركة للانخراط في عملية تفاوضيّة مع الاحتلال، ومن الأهميّة في هذه العجالة التذكير بأنّ حماس الانتهازيّة، شاركت في انتخابات عام 2006، التي جرت تحت سقف أوسلو.

***

أضف إلى هذا سؤالا: ما الذي يستدعي طردًا سوريًّا للفلسطينيين الذين يتمتعون بكامل حقوق المواطن السوري منذ عام 1948؟ ما الجديد لتغير سوريّة موقفها التاريخي؟ ألا يعني زعم حماس هذا تأكيد بأنّ حماس لعبت في سوريّة دوراً مضادًا للوطن السوري؟ ومع ذلك، فإنّ سوريّة لن تعاقب الفلسطينيين على خيانة حماس بل تعاقب حماس نفسها. ويبدو أنّ حماس تستلهم تجربة الكويت التي طردت الفلسطينيين بعد حرب عام1991، وبالطبع تتناسى حماس أنّ سوريّة كنظام وشعب ليست مثل كيان عابر كالكويت أو قطر. وعليه، فإنّ هذه التغطية من حماس على خيانتها لسوريّة تفتح الباب لاستنتاج أخطر وهو أنّ هدف حماس من توريط الفلسطينيين في العدوان الوهابيّ الغربيّ على سوريّة هو إرغام حماس ومعسكرها لفلسطينيي سوريّة على الرحيل إلى الأردن، بما هو الوجهة الوحيدة للرحيل، وهذا يصب في حلّ الوطن البديل. وهو الحل الذي لم يعد خافيًا أن قوى الدين الإسلاميّ السياسيّ تتهيأ لتبّنيه بدءًا من تونس إلى ليبيا ومصر وإمارة غزة، ومن ثم إلى الأردن وسوريّة، إذا ما سقطت سوريّة بأيدي حلفاء حماس. والحقيقة أن تحليل حماس هذا فيه عمق وخبث معًا.

***
القضية الفلسطينيّة باتت الآن معروضة للبيع في المزاد العلنيّ، من قبل فتح الوطنيّة وحماس الإسلاميّة، في ظلّ تشجيع عربيّ وغربيّ للحركتين بالإمعان في التنازلات عن الثوابت الفلسطينيّة، أكثر من ستة عقود مرّت على النكبة وما زالت قضية العرب المركزيّة، فلسطين بدون حلٍ، لا بلْ أخطر من ذلك، فإنّ المؤامرات الفلسطينيّة-العربيّة والغربيّة على فلسطين تتأجج بهدف تصفية القضية، الأزمة السوريّة، وخلال أقّل من سنة وحدّت العرب والمسلمين، وتمّ طرد سوريّة من جامعة الدول العربيّة ومن منظمة المؤتمر الإسلاميّ، ولكنّ العرب نفسهم، أوهن وأعجز عن اتخاذ خطوات عملية لتحرير فلسطين، ليس لأنّهم لا يملكون القدرة على ذلك، إنّما بسبب تبعيتهم المطلقة لأمريكا وربيبتها إسرائيل، وهنا مربط الفرس، وهذا بيت القصيد. ومع ذلك، لا نطمح من هؤلاء لا تحرير ولا حتى تجهيز للتحرير، بل على الأقل وقف تورطهم في التطبيع. بل إن هذه الأنظمة التي زعمت أنها قاطعت الشركات المتعاملة مع إسرائيل بدأت هي بالتعامل مع إسرائيل!

***
المأساة تكمن في أنّ الشعب العربيّ الفلسطينيّ، الذي واجه أعتى جيش في العالم خلال الانتفاضة الأولى (1987) والثانية (2000)، أُدخل إلى حالةٍ من الغيبوبة، وعلى الرغم من محاولاتنا المتكررة لسبر أغوار انكفاء الفلسطينيين، نُقّر بأننّا لم نتمكّن من العثور على الإجابة، كنّا نُطالب بحلّ سلطة أوسلوستان، وإعادة الأمور إلى مسمياتها الحقيقيّة: الاحتلال احتلال، والمقاومة مقاومة، ولكن، على ضوء المستجدّات الأخيرة، بات هذا المطلب نوعًا من الأوتوبيا. وهنا لا بدّ بالاستعانة بمقولة الشهيد غسان كنفاني:”إذا كنّا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نُغيّر المدافعين، لا أن نُغيّر القضية”، وفي هذا السياق، أسمح لنفسي أنْ أسأل فتح وحماس: هل تريدون تغيير الشعب الفلسطينيّ بعد فشلكم الذريع في الدفاع عن قضيته؟ صار المطلوب إذن تجاوز فتح وحماس وعدم الانحصار في تنافسهما وتقاسمهما للغنائم، لم يعد الخيار فتح وحماس، بل جديدًا لا بدّ منه.
المصدر.مركز عرين للمعلزمات       http://www.areen.info

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s