عوامل الهيمنة الأمريكية .. تسلط لذيذ

نشر فى 9 أغسطس, 2012  

ترجمة :  أ.رشيد أبو أسامة

مجلة الرائد

العدد : 226 الموافق في ذو الحجة 1421 هجري  3/2001 ميلادي

مصدر المقال المترجم – لومند ديبلوماتيك : ماي 2000 – إنياسيو رامونيه

 e46d3ba04810135c40b33da40fa6d706.portrait

إن أخطر دروب الهيمنة هي تلك التي تتم دون أن يشعر بها من تمارس عليه. ويعلم كل من المستعمِر والمستعمَر أن الهيمنة لا تخضع دائما لمنطق القوة. لقد ولى عصر الغزو وحل عصر التحكم في العقول. وهكذا يمثل التحكم في العقول أهم رهان لكل إمبراطورية تريد الاستمرار لأمد بعيد.

 ولعل الولايات المتحدة التي مارست في الماضي الإبادة ضد الهنود والاسترقاق ضد السود الأفارقة، والتوسع ضد المكسيك والاستعمار ضد البورتوريكانيين، قد ملت من ممارسة العنف المفرط، فإنها تطمح اليوم إلى الاحتلال السلمي لعقول غير الأمريكيين، واستمالة قلوبهم.

والغريب أن تكون أوروبا الغربية هي الأقل مقاومة  لهذا المشروع ؛ لأسباب سياسية أولا : حيث أن الولايات المتحدة هي نتاج أول ثورة ديمقراطية، تلك التي حصلت سنة 1776 والتي سبقت الثورة الفرنسية بـ 13 سنة ؛ ولأسباب تاريخية كذلك، حيث لم تتواجه أية دولة أوروبية، باستثناء بريطانيا في القرن 18 وإسبانيا في نهاية القرن 19، مع الولايات المتحدة عسكريا. بل على العكس استقبلت الولايات المتحدة ، باعتبارها “بلاد الحرية” ، الملايين من اللاجئين والمبعدين الأوروبيين بصدر رحب ؛ كما تصرفت كصديق لأوروبا إبان الحربين العالميتين ( 1914-1918 و 1939-1945) ؛ و كان تدخلها حاسما لصاح الحريات وضد القوى العسكرية أو الفاشية.

في 1989-1991 ربحت الولايات المتحدة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي  بالضربة القاضية، مما أدى إلى سقوط جدار برلين، واعتماد الديمقراطية بشكل من الأشكال في دول وسط وشرق أوروبا.

أما على المستوى الجيوسياسي، فتجد الولايات المتحدة نفسها في مستوى من الهيمنة لم تحلم بها أية دولة من قبل. فقوتها العسكرية قاهرة ؛ لأنها أول قوة نووية وفضائية وكذلك بحرية، وهي الوحيدة التي تتوفر على أسطول بحري في كل محيطات العالم. كما لها قواعد عسكرية وتموينية وتجسسية في كل القارات.

تنفق وزارة الدفاع على البحث في الميدان العسكري قرابة 31 مليار دولار، وهو ما يعادل ميزانية الدفاع الفرنسية بكاملها. كما تمتلك في مجال الأسلحة أنواعا تتقدم ما لغيرها بعدة أجيال. وبإمكان قواتها المسلحة (1,4 مليون جندي) أن تسمع وتتابع وتتعرف على كل شئ سواء كان في الجو أم في البحر أم تحت الماء. فبإمكانها أن ترى كل شيء من دون أن تُرى، وأن تدمر هدفا  بدقة فائقة، سواء بالليل أو بالنهار، دون التعرض لأي تهديد.

وتتوفر الولايات المتحدة على ألوان من وكالات الاستعلامات [ وكالة الاستعلامات المركزية CIA ووكالة الأمن القوميNSA ، المكتب الوطني للاستطلاع NRO  وكالة الاستعلامات للدفاع (DIA) ] التي تشغل أكثر من 000 100 شخص بميزانية تتجاوز 26 مليار دولار . ويتحرك جواسيسها في كل مكان وفي كل وقت، لدى الأصدقاء والأعداء. ولا يقتصر نشاطهم على سرقة الأسرار العسكرية والدبلوماسية، بل يمتد إلى سرقة الأسرار الصناعية والتكنولوجية والعلمية.

وتهيمن الولايات المتحدة على السياسة الدولية بشكل مطلق. إنها تراقب الأزمات في كل العالم، لأن لها مصالح في كل القارات، وتعتبر الوحيدة القادرة على التحرك في العالم . من الشرق الأوسط إلى كوسوفو، ومن تيمور إلى تيوان، ومن الباكستان إلى القوقاز ، ومن الكونجو إلى أنجولا، ومن كوبا إلى كولومبيا.

وهي التي تحدد اختيارات وسير العالم من خلال هيمنتها على هيئة الأمم المتحدة ، ومجموعة الدول السبع الأكثر تصنيعا ، وصندوق النقد الدولي ، والمنظمة العالمية للتجارة ، ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي ، ومنظمة حلف شمال الأطلسي، إلخ..

وبما أن هيمنة إمبراطورية معينة في عالمنا المعاصر، لم تعد تقاس بإمكانياتها العسكرية والدبلوماسية فقط، فقد حرصت الولايات المتحدة على أن تكون الأكثر تفوقا في المجال العلمي. و بالتالي تمتص من العالم أجمع  عشرات الآلاف من الأدمغة من طلبة وباحثين وحاملي الشهادات، الذين يحلون كل سنة بجامعاتها ومختبراتها ومقاولاتها. مما سمح لها خلال السنوات الأخيرة بالحصول على 19 جائزة نوبل  من أصل 26 في الفيزياء، و17 من أصل 24 في الطب و 13 من أصل 22 في الكيمياء.

وتمارس الولايات المتحدة هيمنة مطلقة على الشبكات الاقتصادية. فلقد بلغ  إنتاجها الداخلي الخام  سنة 1999 : (8683,4 مليار دولار ) يعادل 6 مرات إنتاج فرنسا (1346,6 مليار دولار ). ويظل الدولار العملة الأولى، حيث تمر عبرها 83 % من مبادلات العملة الصعبة. وتمثل بورصة نيويورك مقياس التقلبات المالية العالمية. وأي تعثر لها يحدث الفزع في العالم. أما القوة الضاربة لصناديق المعاش الأمريكية ـ التي تمثل غولا مهيمنا على الأسواق المالية ـ فتخيف كل الفاعلين في الميدان الاقتصادي العالمي.

وتعتبر أمريكا أول  قوة في ميدان المعلوميات.إنها تتحكم في الاختراعات التكنولوجية الجديدة، وفي الصناعات الرقمية، الامتدادات والإسقاطات (المادية واللامادية) من كل نوع. إنها بلاد المواقع، والطرق السريعة للمعلومات و”الاقتصاد الجديد” وعمالقة الإعلاميات ( ميكروسوفت، إ.ب.م، إنتيل) وأبطال إنتيرنت (ياهو ـ أمازون ـ أمريكا أونلاين)

فلماذا لا تثير هذه الهيمنة العسكرية والدبلوماسية والتكنولوجية المطلقة، مزيدا من النقد أو المقاومة ؟ لأن أمريكا تمارس علاوة على ذلك هيمنة ثقافية وإيديولوجية. تتوفر على مثقفين كبار يُجمع الكل على احترامهم، وعلى أعداد هائلة من المبدعين في مختلف المجالات الفنية الذين يبهرون وعن جدارة في كل مكان. وتمتلك كذلك التحكم في الرمزية الذي تمكنها من “الهيمنة الآسرة”.

في كثير من المجالات تمكنت الولايات المتحدة من التحكم في المصطلحات والمفاهيم والمعاني. إنها تضطر الآخرين  للتعبير عن المشاكل التي تحدثها باللغة التي تقترحها هي. وتنتج الرموز التي تمكن من فك الألغاز التي تفرضها. وتتوفر لهذا الغرض على كم هائل من معاهد البحث ومن صناديق الأفكار think tanks التي تشغل الآلاف من الخبراء والمحللين، الذين ينتجون معلومات حول قضايا قانونية و اجتماعية و اقتصادية في اتجاه يخدم أطروحات الليبرالية الجديدة، و العولمة وأوساط الأعمال. ويتم نشر وإشهار أعمالهم التي تحظى بدعم مالي هائل، على امتداد العالم.

ومصانع الإقناع هذه مستعدة لتحمل التكاليف الباهضة ، فتستدعي لندواتها ومؤتمراتها، الصحفيين والأساتذة والموظفين والمسيرين الذين سيحملون ما تنتجه من أفكار إلى العالم أجمع.

وهكذا وباعتمادها على سلطة الإعلام والتكنولوجيا تقيم الولايات المتحدة، مع التواطؤ المستسلم للخاضعين ، ما يمكن تسميته بالقهر اللطيف أو الاستبداد اللذيذ. وخاصة عندما يضاف إلى هذه السلطة التحكم في الصناعات الثقافية والهيمنة على مخيالنا.

إن أمريكا، وبحنكة باهرة، تحتل أحلامنا بجموع غفيرة من الأبطال الذين يصنعهم الإعلام. فبينما لا تشتري إلا 1 % من الأفلام الأجنبية، فإنها تغرق العالم بإنتاج هوليود  من سينما وفيديو وغيرها. هذا دون الحديث عن ما تنتجه من نماذج في مجال اللباس والعمران أو الأكل.

ويرافق هذا كله خطاب جذاب يتحدث عن حرية الاختيار واستقلالية المستهلك، وحضور جنوني للإعلان ( تخصص في الولايات المتحدة 200 مليار دولار  للإعلان في السنة) الذي يشمل الرموز والمستهلكات المادية. ولقد وصل فن التجارة إلى درجة من الكفاءة، أصبح يطمح معها إلى تسويق ليس نوع معين أو علامة معينة، ولكن هوية؛ وليس علامة اجتماعية معينة ولكن شخصية؛ حسب مبدأ ربط الشخصية بما تملك.

ولقد أصبح من الملح تذكر ما أنذر به ألدو هوكسلي Aldous Huxley سنة 1931 حين قال: ” في مرحلة التكنولوجيا المتقدمة، إن الذي سيشكل الخطر الأكبر على الأفكار والثقافة والعقول، لن يأتي من خصم يثير الفزع والكراهية بقدر ما ستأتي من  عدو بشوش.”

إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إخضاعنا باستعمال القوة وإنما بسحر عقولنا، وليس عن طريق إصدار الأوامر بل عن طريق خضوعنا الطوعي؛ وليس عن طريق تهديدنا بالعقوبة ولكن بالمراهنة على تعطشنا للمتعة.

Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s