حكاية الدولة الفاشلة.. وأبعادها

نشر فى 7 أغسطس, 2012  
images حكاية الدولة الفاشلة.. وأبعادهاhttp://www.shatharat.net
/المصدرموقع المسلم : طلعت رميح
شهدت الفترة الماضية ترديدا وترويجا مكثفا لمقولة الدولة الفاشلة. ظهر المصطلح في الكتابات والدراسات الغربية ومن بعد انتقل إلى أجهزة الإعلام –الغربية- حتى صار شائعا استخدامه فيها، فالتقطه البعض في المنطقة العربية وصار يستخدمه ويروج له، في تكرار لظاهرة كثيرة الحدوث فى عالمنا العربي في الوقت الراهن، إذ يجرى استخدام مصطلحات جرى صكها ضمن خطط معادية لنا، لكننا نستخدمها نحن بوعي أو بغير وعي، لنساهم بقصد أو بدون قصد فى نشر الأفكار والمفاهيم التي يريد خصومنا نشرها.الغرب حين أطلق هذا المصطلح وروج له، ربط هذا المصطلح بمفهوم عام، يقول إن “الدول الفاشلة” تمثل تهديدا للسلام والاستقرار للوضع الدولي والإقليمي وللتنمية في العالم، أي أن الغرب لم يقصد وصفا للدول غير القادرة على أداء مهامها تجاه مجتمعاتها، ولكنه انطلق من ذلك للتأكيد على مخاطر بقاء تلك الدول الفاشلة على استقراره ومصالحه ووجوده في أقاليم العالم ..الخ، وهو ما يبنى عليه من بعد خطة للتعامل مع تلك الدول (الخطرة)، إذ حتى الآن لم يكمل الغرب الجملة -التي سنسمعها من بعد، والتي هي لب وجوهر اللعبة -إذ سيقال إن مثل هذا الخطر ينبغي الوقوف في وجهه، وبناءً عليه ستطرح آليات استعمارية للسيطرة على تلك الدول، وفق مسميات متعددة، كتلك التي أطلقها خلال مراحل “الاستعمار” مثل الانتداب والوصاية.
وما برز حتى الآن من تلك المسميات والأشكال، هو اللجان المنبثقة عن مؤتمرات المانحين التي تناقش أوضاع الدول وتقرر سياستها الداخلية انطلاقا من المؤتمرات الدولية للدول المانحة.
والدولة الفاشلة هى تلك الدولة التى لا توجد فيها حكومة وجهاز دولة عسكري وأمني مسيطر، يحقق الاستقرار والسيادة ويدير الدولة والمجتمع في الحيز الجغرافي الذي تحدده حدود الدولة المستقر عليها دوليا (بحدودها البرية والبحرية )، بما يمكن الدول الأخرى من التعامل معها على صعيد العلاقات السياسية والاقتصادية، إذ هي دولة لا تفى بمتطلبات العلاقات الدولية من الحقوق والواجبات ..الخ .
وفى ذلك يُضرب المثل بأوضاع الصومال باعتبارها دولة فاشلة، إذ لا توجد حكومة مسيطرة سياسيا وعسكريا واقتصاديا على حدود الدولة بريا وبحريا، كما لا تنتظم فيها مؤسسات دولة فاعلة ومسيطرة تحظى باعتراف داخلي وخارجي، فضلا عن وجود كيانات وقوى سياسية ومسلحة، تنازع الدولة سلطاتها وتفرض سلطاتها هي في مناطقمتعددة، داخل حدود إقليم الدولة.
خطة لا مصطلح
وفى تأمل ما يجرى الآن فى الدراسات والبحوث والمقالات والبرامج الفضائية من ظهور مصطلح الدولة الفاشلة والترويج له ،نجد أنفسنا أمام العديد من الحقائق الهامة :
أولها :أن هذا المصطلح الجديد ، ليس بجديد إلا فى الشكل ،إذ هو يعيد توصيف مرحلة كانت عليها كثير من الدول فى مطلع الحقبة الاستعمارية ،إذ لم تكن الدول الحديثة قد تشكلت بعد .كما هو مصطلح يقدم طريقة لقياس فعالية الدول وفقا لما استقرت عليه الأوضاع ما بعد الحرب العالمية الثانية بشكل خاص ،إذ اعتبرت الدولة هى الوحدة الاساس فى تشكيل النظام الدولي ،حيث تأسست الأمم المتحدة على انضمام دول مستقلة ذات سيادة على أرضها وأجوائها ومحيطها البحري ومجتمعها ومسئولة عن مواطنيها وأفعالهم فى الداخل والخارج ،ضمن اطر دستورية وسياسية واقتصادية معينة.
المعنى هنا أننا أمام محاولة إعادة طرح فكرة حق الاستقلال ،وما إذا كانت بعض “الدول” يتحقق لها شروط قيام الدول وفق القوانين الدولية ،أو هي محاولة للقول بأن تلك الدول لم تعد قادرة على القيام بدورها، إذ هى دول فشلت في أن تكون دولا، وفق المعايير التي قامت وتقوم عليها الدول فى العالم .
ثانى تلك الحقائق ، أننا نتابع الآن دورة جديدة من الدورات “الاستعمارية”، إذ الدول الفاشلة يعود فشلها إلى خطة صناعة “استعمارية” أو أن إفشال الدول هو جزء من اللعبة “الاستعمارية” التى لها ما بعدها. الدورة الاستعمارية في نقل الدول الى حالة الدولة الفاشلة تبدأ بتحريك عوامل التفكيك الداخلي عبر آليات متعددة، مع إفشال خطط الدول فى العمل على مواجهة تلك العوامل، وتتضمن خططا لعزل الدول المستهدفة وحصارها سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا، لتتآكل قدراتها على الصعيد الدولي، ولتصل إلى حالة الفشل الشامل.دعونا نتابع تلك اللعبة الجارية ببعض من التفاصيل…
الأمور تبدأ عادة بدايات مبسطة وفق إجراءات وتطورات تبدو عادية غير مقصودة، إذ تجرى مهرجانات وتصدر أعمال ثقافية تحت عنوان حماية التراث ودراسة اللغات القديمة أو حول منظومة العادات والتقاليد السابقة، وكلها تتواصل مع أعمال أخرى تتعلق بحقوق الأقليات والأعراق والقوميات وحقوق الأبنية الثقافية واللغوية المستقلة داخل البلد الواحد. بعدها تجري استضافات في دول الخارج لشخصيات ورموز تمثل تلك اللغات والثقافات والأعراق، ليعود هؤلاء من بعد لتشكيل هيئات ومنظمات من تلك المسماة بالمجتمع المدني التي تقوم بأعمال تبدو بسيطة وبريئة وهامشية، حتى يفاجأ الجميع بأنه قد صار لمثل تلك المنظمات حشد فكري وثقافي ومعلومات غزيرة حول حالة التمايز لتلك المجموعات اللغوية أو القومية أو العرقية عن الآخرين في المجتمع. حينها يدق جرس الضغط الدولي على الحكومات، التي تصبح مطالبه بالسماح للأقليات في التعبير عن نفسها، ليبدأ نشاط محموم لبعث كل التكوينات والكيانات والمقومات التي سبقت تشكيل الدولة الحديثة.
يفاجأ الجميع بأن تلك الهيئات البسيطة فى مجتمعاتنا تتمتع بحضور دولي، من مكاتب وممثلين وهيئات داعمة، وأن تلك الهيئات الهامشية فى المجتمعات العربية والاسلامية، صارت كيانات تكبر فى الداخل عبر جسور للخارج، إذ تفتح أبواب الكونجرس ومنظمات حقوق الإنسان والفضائيات وغيرها، مما يدفع بها من منظمات هامشية إلى أن تصبح قيادة سياسية لحركة جماهيرية، ولندخل في متتالية تتصاعد فيها قوة تلك التنظيمات وجماهيرتها على حساب الوحدة الوطنية، مع تفعيل للخطط الغربية التى تعمل على شل قدرة الدولة الوطنية على فرض سيادتها، إذ تتصاعد ضغوط الدول الاستعمارية على حكومات الدول المستهدفة، باتهامها باضطهاد الأقليات والقوميات، ويتطور الأمر من بعد إلى اتهامات بالتهجير والتطهير العرقي الخ.
وهنا تتحول اللعبة من خلافات ثقافية أو ثراء عرقي، إلى اضطراب وصراعات داخلية جماهيرية وسياسية وفى بعض الأحوال يتحول الأمر إلى حد الصراعات العسكرية، حين يقرر الغرب أوان دعم تلك الحركات بالمال والسلاح لتتحول الأوضاع من حالة تمايز مبسطة إلى حالات اضطراب سياسية كبيرة وخطيرة.وبعد وقت من الاضطراب تبدأ أجهزة الإعلام في تأجيج الصراعات وأعمال التفكيك، والحديث عن الدول الفاشلة لتبدأ دورة تدخل رسمية مباشرة من الدول “الاستعمارية”، لفرض الوصاية على الحكومات تحت مسميات المؤتمرات الدولية لمناقشة الأوضاع فى تلك الدول ومعالجة نتائج الصراعات وإدخال المساعدات ..الخ.
واللافت في كل ذلك أن خطط التفكيك لا تقوم بها أجهزة الدول “الاستعمارية” وحدها وعبر قدراتها هي وحدها، إذ تلك الدول تعمل بجهد وخطط على فتح مجالات التدخل للدول الإقليمية التي تقبل بالاندفاع فى تلك المخططات (نموذجي إيران وإثيوبيا) سواء لإفشال الدول جارتها أو لتحقيق مكاسب لها عبر التدخل فى الشئون والصراعات الداخلية في تلك الدول، لتتحول الدولة إلى دولة فاشلة عن مواجهة كل هذا القدر من الاضطراب والتدخلات الخارجية الإقليمية والدولية.
نماذج واتجاهات
في النموذج الصومالي وكيف وصل حد الدولة الفاشلة، فقد كان هذا البلد دولة قوية، خلال حكم سياد برى، لكنه دفع دفعا إلى حرب مع إثيوبيا، وخلالها كانت كل الجهود تتكثف لإحياء كل ما كان جاريا قبل تأسيس الدولة الصومالية الحديثة. جرت الضغوط على النظام بعد هزيمته حتى انفكت الدولة لتصبح نهبا للميليشيات وقطاع الطرق، وهنا تحركت الولايات المتحدة لاحتلال الصومال واستنزاف موارده من اليورانيوم خاصة، وللسيطرة على الموقع الاستراتيجى لهذا البلد.
كان ذلك استثمارا لخطة إفشال وإضعاف الدولة، ولكن المحاولة الأمريكية تعرضت لضربة مؤلمة اضطرتها لسحب قواتها، فكان أن جرى الدفع بالصومال لأخطر أشكال التقاتل على يد الميليشيات لعدة سنوات.
وحين تمكن المجتمع الصومالي من بلورة مشروع جديد لبناء الدولة تمثل في المحاكم الإسلامية تحركت إثيوبيا لمواجهة محاولة إعادة بناء الدولة الصومالية، واحتلت هذا البلد، ولم تخرج من أراضيه إلا حينما تأكدت من عودته إلى الانقسام والتقاتل، وأنه سيظل “دولة فاشلة” بعد انسحابها، وذلك كله بمساندة غربية كاملة، بل ومن مجلس الأمن، الذي أقر لإثيوبيا باحتلالها للصومال.
النموذج اليمني مازال قيد التنفيذ وإن كان استخدام تعبير الدولة الفاشلة قد جرى استخدامه تبريرا لعقد مؤتمر دولى فى لندن –لم تدع له حتى الجامعة العربية-لتقرير اتجاهات الحركة الداخلية للدولة. في اليمن يبدو إيصال الدولة إلى حالة الدولة الفاشلة نموذجا آخر للخطة الدولية فى تمزيق المجتمع وإنهاك جهاز الدولة.أما السودان فهو ليس نموذجا ثالثا فحسب، ولكنه نموذج فاضح في أسلوب تحويله إلى دولة فاشلة من خلال حالة صراع مستديمة مع الدولة الوطنية، إذ أعمال الدول الخارجية مكشوفة فى وقوفها بالمرصاد لكل محاولات الدولة تطوير البنى الاجتماعية وتقوية جهاز الدولة وتشكيل حكم فيدرالى ديموقراطى يوحد البلاد ويوفق بين أطرافها المختلفة أو المتعددة، كما الحصار ودعم المتمردين بكل أوجه الدعم المالي والعسكري والسياسي والإعلامي يظهر دون غطاء، حتى وصل الأمر إلى مطاردة رئيس الدولة أمام المحكمة الجنائية الدولية، بعدما أصبح موقعه ومكانته ودوره النقطة الفاصلة في إنهاك الدولة وتفكيكها.
في السودان أمامنا نموذج واضح متصاعد يستهدف الوصول إلى فصل الجنوب عن الشمال، من خلال دورة أولى للأحداث، يجرى الانطلاق بعدها نحو إغراق الشمال بالفوضى من دارفور غربا إلى كسلا شرقا.
إنهاء الاستقلال
ولعبة الدولة الفاشلة هي إحدى أهداف استخدام القوة الناعمة، دبلوماسيا وسياسيا وقانونيا ومن أعمال وخطط أجهزة الاستخبارات، وفى ذلك تبدو أهمية الملاحظة العامة والاتجاه العام فى كل ما يجري، هو أن عملية تجري لسلب ما حققته من منجزات منذ استقلالها، بإنهاء أوضاعها الداخلية المتماسكة وانهاء دور ووجود مؤسساتها وإنهاكها وبعثرة عوامل قوتها.. وكل ذلك مقدمة لم هو آت.
والـ”آتي” كثير، منه ما بدا فعلا ورأينا بأعيننا بداياته متمثلة فى دور محكمة الجنايات الدولية التى هي آلية لتغيير أوضاع الدول والمجتمعات والحصول على شرعية للتدخل في الشئون الداخلية، وفى ما حدث بشأن اليمن إذ انعقد مؤتمر دولي لتحديد اتجاهات سياسة الدولة تجاه مواطنيها وهو ما كان امرئ لا يجرؤ على الحديث بشأنه من قبل، لكن القادم هو الأخطر، إذ سيجرى تفعيل خطط للتدخل الدولي في داخل الدول لتعمل بصفة دائمة، تمهيدا لفرض الوصاية على الدول الفاشلة ووضعها تحت إدارة قوات الأطلسي أو قوات الأمم المتحدة، في تكرار وتطوير لما جرى فى خطة النفط مقابل الغذاء التي جرت للعراق، وما جرى من قبل من وضع الدول تحت الوصاية والانتداب خلال مرحلة الحرب العالمية الأولى، إذ ما إن تنتهي الدول إلى حالة الفشل، فلا يعود هناك قوة تقاوم السطو على مقدرات البلاد، حتى يجرى تحرك “استعماري” مباشر لاحتلال تلك البلاد.
لقد رأينا من قبل ألاعيب وضع الدول تحت الانتداب (مثال فلسطين) وتحت الوصاية، وشاهدنا كيف كان الأجانب يتمتعون بحقوق حماية دولهم في الدول الأخرى ذات السيادة لكن القادم هو عودة لوضع الدول تحت السيطرة، وإعلان انتهاء حقبة الاستقلال
Advertisements

تعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s